
الـمَجمَعُ المسكونيُّ الأوَّلُ وأوهامُ الوَحدَةِ
إعداد الشماس مكسيموس سلُّوم
يُعدُّ الـمَجمَعُ المسكونيُّ الأوَّلُ المنعقِدُ في نيقيةَ سنة 325م نقطةَ تحوُّلٍ حاسمةٍ في تاريخ ِالكنيسَةِ، إذْ وضعَ أساسَ الإيمانِ الأرثوذكسيِّ المستقيمِ ضدَّ البِدَعِ الَّتِي شوَّهَتِ العقيدةَ، ولا سيَّما هرطقةُ آريوسَ. كانَ آريوسُ قد أنكرَ ألوهيَّةَ اللهِ الكلمةِ وعلَّمَ أنَّ الابنَ هو أوَّلُ المخلوقاتِ وأنَّهُ ذو جوهَرٍ مُغايِرٍ عن جوهَرِ الآبِ. أحدَثَ آريوسُ بلبالاً في الإمبراطوريَّةِ وانتشرَت هرطقتُه انتِشَارًا واسِعًا تخَطَّت "الغنُّوصيَّةَ"1 و"الصَّباليوسيَّة"2 مهدِّدةً وحدةَ الكنيسةِ.
حضرَ الـمَجمَعَ 318 من الآباءِ القِدِّيسينَ وأعلَنُوا أنَّ المسيحَ هو ابنُ اللهِ الوحيدُ، مولودٌ من الآبِ قبلَ كلِّ الدُّهورِ، نورٌ من نورٍ، إلهٌ حقٌّ من إلهٍ حقٍّ، واحدٌ معَ الآبِ في الجوهرِ. ومن هُنا وُلدَ قانونُ الإيمانِ النِّيقاويِّ، الَّذِي صارَ دستورَ إيمانِ الكنيسةِ الجامعَةِ.
كانَ الـمَجمَعُ المسكونيُّ الأوَّلُ الحلقةَ الأولى من سلسلةِ مجامعَ انعقدَت في تاريخِ الكنيسةِ. لذلك من الـمُجحِفِ أنْ نفصلَ مجمعَ نيقيةَ الأوَّلَ عن سائرِ المجامعِ المسكونيَّةِ الَّتِي حدَّدَت إيمانَ الكنيسةِ عبرَ العصورِ وخاصةً الـمَجمَعُ المسكونيُّ الثَّاني المنعقدُ سنة 381م في القسطنطينيَّةِ والَّذِي أَكَّدَ على ألوهيَّةِ الرُّوِح القُدُسِ وأنَّهُ مُنْبَثِقٌ منَ الآبِ.
تَميَّزَ الـمَجمَعُ المسكونيُّ الأوَّلُ عن غَيْرِهِ أنَّه وضعَ منهجيَّةَ حدودِ الإيمانِ القويمِ. فمن خلالِ قراراتِه العقائديَّةِ رَسَمَ حدودَ الإيمانِ القويمِ الَّذِي يحفظُ وَحْدَةَ الكنيسةِ. وسارَتِ المجامعُ المسكونيَّةُ الّتي تتالَتْ على المنهَجِيَّةِ نَفْسِها في حفظِها على حدودِ الكنيسةِ. فأعضاءُ الكنيسةِ هم الَّذِينَ يعترفُون بالإيمانِ الأرثوذكسيِّ نفسِهِ ويسعَون إِلى حفظِ القوانينِ المقدَّسةِ. أمَّا الَّذِين يتجاوَزُون الحدودَ العقائديَّةَ الَّتِي رسمَتْها المجامعُ المسكونيَّةُ فَهُمْ هراطقةُ. لذلكَ فإنَّ الـمَجمَعَ المسكونيَّ الأوَّلَ كسائرِ المجامعِ الَّتِي تلَتْهُ قد حدَّدَتْ بوضوحٍ حدودَ الحقِّ من الضَّلالِ، والإيمانِ من الهَرطَقَةِ.
في هذَا العام 2025 يحتفلُ المسيحيُّونَ بمرورِ سَبْعَةَ عَشَرَ قرنًا على مجمعِ نيقيةَ معتبرينَ إيَّاه حَدَثًا أساسيًّا في السَّعيِ إلى الوَحدَةِ، أيْ أنَّ كلَّ المسيحيِّينَ يؤمنُونَ بالثَّالوثِ وبالتَّالي هذا يكفِي من أجلِ الوَحدَةِ.
ولكن بتفكيرِهم هذا كأنَّهم يعزلُون هذا الـمَجمَعَ عن سائرِ المجامعِ، بمعنى أَنَّهُمْ يعزُلُونَ سائرَ العقائدِ، وأبرزُها: "انبثاقُ الرُّوحِ القُدُسِ من الآبِ فقطْ، الطَّبيعتَانِ والمشيئَتَانِ الإلهيَّةُ والبشريَّةُ في المسيحِ، النِّعمَةُ الإلهيَّةُ غيرُ المخلوقَةِ..." هذا من جِهةٍ، أَمَّا من جِهةٍ أُخرى فَإِنَّهم يُنكرُونَ المنهجيَّةَ الَّتِي وضَعَها الـمَجمَعُ المسكونيُّ الأوَّلُ وسَلَكَها في رسمِ الحدودِ الإيمانيَّةِ وإظهارِ الحقِّ منَ الضَّلالِ.
إذًا كان هذا الـمَجمَعُ الَّذِي جمعَ الكنيسةَ في وَحدَةِ الحقِّ. ولكنَّه صارَ في الأزمنةِ الحديثةِ موضوعًا لتأويلاتٍ مُريبَةٍ تحتَ شعارِ "الوَحدَة المسيحيَّة" الَّتِي يروِّج لهَا البعضُ بمَعزِلٍ عن وحدَةِ الإيمانِ. وهنا تظهرُ أوهامُ هؤلاءِ بشَأنِ الوَحدَةِ الَّتِي لا تستنِدُ على الإيمانِ المستقيمِ أو التَّقليدِ المقدَّسِ.
لم يكنْ مجمعُ نيقيةَ مؤتمرًا أو لقاءَ مُصالحَةٍ بينَ آراءٍ متباينةٍ، بل كانَ شهادةً جَماعيَّةً للحقِّ الإلهيِّ كمَا تسلَّمَتْه الكنيسةُ منَ الرُّسُلِ. فالآباءُ لم يجتمعُوا ليصيغُوا عقيدةً جديدةً، بل ليُظهرُوا الإيمانَ الرَّسوليَّ الأصيلَ. وحينَ أصرَّ آريوسُ على إنكارِ أُلُوهيَّةِ الابنِ، لم تُقدَّمْ له تنازلاتٌ باسمِ الوَحدَةِ، بل أُدينَ فِكرُه وطُرِدَ من شركةِ الكنيسةِ.
إذًا، الوَحدَةُ في فكرِ الكنيسةِ ليست اتّفاقًا بشريًّا بل شركةٌ في الرُّوحِ القُدُسِ حولَ الحقِّ. ومنْ دون هذَا الأساسِ، تَتَحَوَّلُ «الوَحدَةُ» إلى خِداعٍ لاهوتيٍّ يُفرغُ الإنجيلَ من مضمونِهِ الخلاصيِّ.
فاليومَ كثيرُون يتحدَّثُون عنْ «عودةٍ إلى نيقيةَ» كرَمزٍ لوَحدَةِ المسيحيِّينَ، لكنَّهم يتجاهلُون أنَّ آباءَ نيقيةَ لم يسعَوا إلى تسوياتٍ دبلوماسيَّةٍ، بل إلى تمييزِ الحقِّ مِنَ الضَّلالِ. إنَّ ما يُسمَّى بِـ"وَحدَة الكنائسِ" خارجَ وَحدَةِ الإيمانِ الأرثوذكسيِّ هو وهمٌ، لأنَّ الحقَّ لا يُجزَّأُ ولا يُساوَم علَيه. فالكنيسةُ لا تستطيعُ أن تتنازَلَ عنِ العقيدَةِ لمجرَّدِ إرضاءِ حسٍّ بشريٍّ بالاتِّحادِ. فالوَحدَةُ الحقيقيَّةُ تقومُ على العقيدَةِ القويمةِ. أمَّا مُحاولاتُ تحقيقِ الوَحدَةِ على حسابِ الحقِّ فوَهْمٌ وخيالٌ، وإن بَدَتْ ناجحَةً على المستوى الخارجيِّ، ولكنَّها فاشلةٌ في الرُّوحِ إذ تشبِهُ بناءَ بيتٍ على الرَّمل هدَمَتْهُ الرِّياحُ وكان سقوطُه عظِيمًا (متى7: 27).
إذًا العودةُ إلى نيقيةَ يعني العودةَ إلى نقاءِ العقيدةِ، وإلى روحيَّةِ الآباءِ وفكرِهم، وإلى سائرِ مقرَّراتِ المجامعِ المسكونيَّةِ، وإلى المنهجيَّةِ الَّتِي اتَّبعَها الـمَجمَعُ المسكونيُّ الأوَّلُ في تحديدِ الإيمانِ المستقيمِ الرَّافِضِ للهراطقةِ.
يذكِّرُنا الـمَجمَعُ النيقاويُّ أنَّ الوَحدَةَ المبنيَّةَ على أهواءٍ بشريَّةٍ وليسَ على أساسٍ لاهوتيٍّ قويمٍ هي وهمٌ. فالوَحدَةُ الكنسيَّةُ ليست مشروعًا بشريًّا بل عطيَّةٌ إلهيَّةٌ تُحفظُ فقط في الحقّ. وأمَّا المحبَّةُ الحقيقيَّةُ فلا تنفصلُ عنِ الحقِّ ولا تقومُ على المساومةِ بل على الإيمانِ القويمِ. فكلُّ وحدةٍ مسيحيَّةٍ تتجاهلُ جوهرَ نيقيةَ أو تحوِّلُها إلى ذكرى رمزيَّةٍ فَتُجرِّدُها من مِضْمونِها الحقيقيِّ هي وحدةً وهميَّةً.
1 مذهب دينيّ يرتكز على المعرفة. حاول أن يفهم الحقائق الدينيَّة والوصول إلى أسرارها عن طريق العقل. كانت الغنُّوصيَّة مزيجًا بين بعض الأفكار الفلسفيَّة والدينيَّة من بينها المسيحيَّة وشكَّلت خطرًا على تعليم المسيحيَّة الحقيقيّ ولهذا سمَّاها بولس الرسول المعرفة الكاذبة الاسم.
2 تعتبر الصَّباليوسيَّة أنَّ أقانيم الثالوث القدُّوس الثلاثة ليست سوى ثلاثة ظهورات للإله الواحد ذاته: كآبٍ في العهد القديم، وكابنٍ في العهد الجديد، وكروحٍ قدسٍ بعد العنصرة. انتشرت الصَّباليوسيَّة على نحوٍ واسعٍ وشكَّلت خطرًا على الكنيسة لِما تحوي من تعليمٍ يرتكز على العقل والمنطق.