كلمة قدس الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان في صلاة الغفران

كلمة قدس الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان في صلاة الغفران
الأحد ٢٢ شباط ٢٠٢٦


نحن مدعوّون إلى أن نقبّل جميعنا أيقونة الختن، وأن نستغفر بعضنا من بعض، لنستطيع أن ندخل الصوم بسلام. فالإنسان، كما تعلمون، لا يستطيع أن يعيش في سلامٍ حقيقيّ ما لم يغفر من كلّ قلبه لجميع الناس.
لقد خُلقنا على صورة الله ومثاله. صورة الله مزروعة فينا؛ فقد أعطانا الربّ الحرّيّة والعقل والحكمة. ولكن إن أردنا أن نكون على مثاله حقًّا، فعلينا أن نطهّر ذواتنا من الفساد الذي نعيشه في هذا العالم. فبسبب أنانيّتنا وكبريائنا، يكفي أن يسيء إلينا أحد بكلمة أو تصرّف حتّى يزرع الشيطان في قلوبنا أفكارًا سيّئة تجاهه. أمّا إذا أردنا أن نكون على مثال الله، فعلينا أوّلًا أن نرى ضعفنا، وأن نتعلّم أن نسامح ونغفر ونصلّي من أجل الآخرين.
لا يمكن لأيّ إنسان مسيحيّ أن يكون صومه وصلاته مقبولَين عند الربّ إن لم يعرف أوّلًا أن يغفر. فأنتم تعرفون أنّ أعظم وصايا المسيح هي: «أحبّوا أعداءكم». ومَن ينطلق من هذه الوصيّة يعرف نفسه على حقيقتها، ويرى كم هو بحاجة إلى الرحمة، فيغفر للآخرين مهما أساؤوا إليه.
نحن نسيء إلى الله كثيرًا: بأفكارنا، وبتصرّفاتنا، وبعدم محبّتنا، وبعدم تطبيق وصاياه. فإذا رأى الإنسان خطيئته بوضوح، عرف كيف يغفر للبشر كلّهم، لأنّه يرى كم هو نفسه مقصّر تجاه الله.
لذلك علينا دائمًا، حتّى إن سقطنا بسبب ضعفنا، أن نرجع إلى ذواتنا، وأن نصلّي من أجل من أساء إلينا، لكي ندخل إلى الصوم بسلام. وكما سمعنا في إنجيل اليوم: قبل كلّ شيء يجب أن نغفر. فالقلب لا يستطيع أن ينال نعمة الله إن كان يحمل في داخله أيّ ضغينة، ولو صغيرة.
أوّل مبدأ للغفران هو أن يخرج القلب من أنانيّته، وأن يتعلّم التواضع لكي يستطيع أن يحبّ. فإذا لم نسامح، فهذا يعني أنّنا نعيش في كبرياء كبير، وهذا الكبرياء يصبح حاجزًا يمنع نعمة الله من الدخول إلينا.
العالم اليوم يريد من الإنسان أن يسير كما يسير المجتمع، ولكن من المستحيل أن يكون الإنسان مسيحيًّا حقيقيًّا إن لم يجاهد ضد روح العالم. لذلك أعطانا الربّ وصاياه:
«أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، صلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات».
وانطلاقًا من هذه الآية، غيّر المسيحيّون الأوّلون العالم بالمحبّة والصلاة، لا بالسيف ولا بالقوّة. وقد حاول شرّ هذا العالم وفساده أن يخنق المسيحيّين باضطهادات لا تُعدّ ولا تُحصى، لكنّهم واجهوا شرّ العالم بالمحبّة والصلاة، واستطاعوا بجهادهم وصلواتهم أن يحبّوا أعداءهم ويهدوهم إلى المسيحيّة، فأصبح العالم كلّه مسيحيًّا.
أمّا اليوم، فالعالم يعود إلى الوثنيّة لأنّنا لم نعد نعرف أن نتخلّى عن كبريائنا، ولأنّ روح السلطة والعظمة تغرقنا في واقعٍ شيطانيّ شرير. مَن يتملّكه الكبرياء يسلّم نفسه للشيطان بإرادته. لذلك هذا هو جهادنا في هذا الصوم: أن نكسر كبرياءنا، وأن نتحرّر من المجد الباطل والتعلّق بالعالم، لكي نستطيع أن نخرج من ذواتنا ونحبّ الآخر ونصلّي من أجله.
«ملكوت السماوات يُغتصَب» — هل تعلمون كيف يُغتصَب؟ يُغتصَب بالجهاد. والجهاد هو أن نقاوم كلّ فكرٍ سيّئ يأتي ضدّ أحد، وأن نقول: هذه هي الوصيّة — أن أحبّه وأصلّي من أجله. حين يرى الربّ أنّنا نغصب ذواتنا في هذا الجهاد، يملأنا من محبّته فنصير على مثاله، نحبّ البشر جميعًا، حتّى أعداءنا، كما يقول القدّيس إسحق السرياني إنّ القلب يمتلئ محبّة تجاه البشر كلّهم، بل تجاه الخليقة كلّها حتّى الحيوانات والطبيعة.
فلا محبّة من دون غفران. على الإنسان أن يسعى ليغفر من كلّ قلبه، فالغفران ليس أن نتجاهل بعضنا بعضًا ظانّين أنّنا سامحنا بعضنا، بل يجب أن نرى إن كان قلبنا صافياً تجاه جميع البشر، حتّى تجاه من أساؤوا إلينا.
هكذا يجب أن ندخل في الصوم، وأن نسعى بتواضعٍ وتوبة. فالتوبة هي عندما ندرك خطيئتنا، وبتواضعنا نعرف كم نحن بعيدون عن الله. التوبة ليست كلامًا بسيطًا، بل هي غاية حياتنا كلّها. لذلك يقول الآباء إنّ الربّ في يوم الدينونة سيدين بين تائبين وغير تائبين؛ فالتائبون سيملكون مع المسيح.
ولهذا وضعت الكنيسة أمامنا أمثلة التوبة، وأوّلها مثل الابن الشاطر الذي «رجع إلى نفسه» فعرف خطيئته فتاب. كلّ أحداث الكتاب المقدّس هي دعوة واحدة إلى التوبة. ومَن يعرف كيف يتوب لا يدين الآخر، بل يسامحه ويحبّه.
مَن يعرف نفسه يعرف أن ينكر ذاته، وأن يحبّ غيره، وأن يسامحه، وأن يساعده. الصوم ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل هو صوم الجسد والنفس معًا. فإذا جاهد الجسد ضدّ الشهوات انعكس ذلك على النفس والفكر والقلب.
كلّنا لدينا ضعفات وسقطات، لكنّنا نستطيع أن نتجاوزها عندما نكسر أنانيّتنا التي تتغذّى من المجتمع والإعلام وكلّ ما يحيط بنا. علينا أن نسحقها ونضع لأنفسنا برنامجًا روحيًّا يوميًّا، لأنّ الإنسان لا يستطيع أن يواجه روح العالم إن لم يكن ثابتًا في الجهاد. لذلك يجب أن نرجع يوميًّا إلى أنفسنا، لكي لا تتراكم أهواؤنا وخطايانا ونصل إلى درجة تتسلّط علينا. لنعالج يوميًّا ثغرات الأهواء فينا قبل أن تكبر وتغرقنا في خطايا كبيرة وروح العالم.
هذا هو جهادنا: أن نصوم، ونصلّي، ونتوب. فإن غابت التوبة ضاع الصوم والصلاة. وإذا استطعنا في صومنا أن نرجع إلى الله، يكون الربّ معنا ويعطينا قوّته فننمو روحيًّا ونصير حقًّا أبناءه.
نسأل الله أن يكون هذا الصوم مباركًا علينا جميعًا.