مُقدِّمةٌ في الحَيَاةِ الرُّوحيّةِ

مُقدِّمةٌ في الحَيَاةِ الرُّوحيّةِ

رسالةٌ من الأبِ سيرافيم روز

نقلَتْهُ إلى العربيّة: فيرنا جدعون
 

ملاحظة المحرِّر: منشور اليوم عبارةٌ عن رسالةٍ من الأب "سيرافيم روز" إلى "نينا كوجيفنيكوف. وهذه الرِّسَالة تضمُّ توصِيَاتٍ ونصائحَ موجَّهة إليها شخصيًّا، لذلك نحن نقرُأ دائمًا رسائلَ كهذِه في سياقِ الخضوعِ لآباِئنا الرُّوحيّين. وهذه الرِّسَالة صُورةٌ عن بساطةِ الأب "سيرافيم وتواضُعِهِ في علاقتِهِ مَعَ إحدى السّيّدات، وتُعتبَرُ مِثالاً رائِعًا على حكمةِ نصائحِ الأبِ سيرافيم وسهولة فَهمِها.

 

الرِّسَالة 70

23 كانون الثّاني / 5 شباط، 1971

الشَّهيدُ في الكهنة كليمنضس

 

إلى الأختِ "نينا" العزيزةِ في المسيحِ

إفرحي بربِّنا يسوعَ المسيحِ! لقد سُررْتُ بتلقّي رسالتِكِ – لا لأنّني أملكُ وسيلةً لمساعدتِكِ، بل لأنّنا نحنُ الَّذين اعتمَدْنا بالمسيحِ، أصبَحْنا واحدًا مَعَه، ومن واجبِنا المُبهِجِ أن نحملَ بعضُنا أثقالَ بعضٍ، كما يقولُ لنا بولسُ الرّسولُ. هذا الأمرُ ينطبقُ عليَّ شخصيًّا أكثرَ من أيٍّ كانَ، إذ إنّني أنا نفسِي قد مررْتُ بتجربةٍ شَبيهةٍ إلى حدٍّ ما لِمَا يبدو أنّكِ تَمُرّينَ به. إذ إنّني قد نشأْتُ في بيئةٍ بروتستانتيّةٍ، ثمّ نبذتُها تمامًا وأصبحتُ لا أدريًّا وملحدًا، بعدَ ذلك بدأتُ أبحثُ عن معنًى للحياةِ في مختلفِ الفلسفاتِ والدّياناتِ الشّرقيَّةِ، حتى وَصَلْتُ إلى مرحلةٍ ظنَنْتُ فيها أنّه لا معنى للحياةِ على الإطلاقِ، وتساءَلْتُ عن جدوى استمرارِي في العيشِ. ثم ذهبتُ للمرّةِ الأولى إلى كنيسةٍ أرثوذكسيّةٍ روسيَّةٍ، فاستجابَ شيءٌ ما في نَفْسِي لِذَلِكَ ، وبدأتُ رحلةَ التَّعافي بِخُطًى ثابتةٍ ، من مَرَضي الرُّوحيِّ المتمثِّلِ في اليَأسِ وفقدانِ الإيمانِ.

يقولُ كثيرون اليومَ أَنّ اللهَ قد أعْرضَ عنّا ولم يَعُد يُصغِي إلينَا. ولكنَّني وجدتُ أنَّ العكسَ تمامًا هو الصّحيحُ: إنّنا نحن من أعْرَضْنا عن اللهِ واتّبَعْنا فلسفاتٍ باطلةً تُمجِّدُ الـ"أنا". أمّا اللهُ فيبقَى كما هو، وهو دائمًا على استعدادٍ لاستقبالِنا بمحبّةٍ عظيمةٍ.

قَدْ تشعُرينَ، الآنَ، بفقدانِ الأملِ. قد يكونُ هذا مؤلمًا جدًّا بالنّسبةِ إليكِ، ولكنَّه في الواقعِ علامةٌ جيِّدَةٌ - إن لم تستَسْلِمِي وواصَلْتِ التَّضَرُّعَ إلى اللهِ طَلَبًا لرحمَتِهِ. إنَّ الموتَ الرُّوحيَّ الحقيقيَّ هو الحالةُ الَّتي يكُفّ فيها المرءُ عنِ الاشْتِياقِ للهِ، أو يتوقّفُ عن الشّعورِ بالقَلقِ إن لم يَنَلْ نعمتَه، بل يكتفي بالأمورِ الدّنيويّةِ الَّتي تفصلُنا عنِ اللهِ - كالثَّروةِ والتّكريمِ وما شابَهَ. وكونُكِ قلقةً وغيرَ سعيدةٍ، فهذا يعني أنَّكِ ما زلتِ حيَّةً روحيًّا، وأنَّ هناك أَملاً بالفِعْلِ.

ولكن لا تتوقَّعي نورًا مفاجئًا أو وَحْيًا أو ما شابَهَ. إنّ الإيمانَ الحقيقيَّ ينبعُ من بِذرةٍ صغيرةٍ قد غَرَسَهَا اللهُ نفسُه في قلوبنا، تتغذّى وتنمو تدريجيًّا بنعمةِ اللهِ، بالإِضافةِ إلى أعمالِنا الَّتي تتوافَقُ معَ وصاياه، وتقليدِ الكنيسةِ الأرثوذكسيّةِ المقدّسَةِ، الَّتي أسّسَها الرّوحُ القدسُ وسلّمَها لنا آباؤنا القدّيسُونَ.

لا تَذكُرِيْنَ في رسالَتِكِ ما تفعلينَه بغيةَ فتحِ بابِ الإيمانِ، لذلك سأقدّمُ لكِ اقتراحًا: اللهُ موجودٌ في كلِّ مكانٍ، وهو يرى ويسمعُ كلَّ شيْءٍ، لذلك أنتِ لسْتِ بحاجةٍ لأنْ تصرخِي إليهِ عاليًا أو بشكلٍ دراميٍّ – ولكن عليكِ أن تكونِي مُثابِرَةً. إنّ بذرةَ الإيمانِ الَّتي في داخلِك، سوفَ تنبُتُ وتنمُو فقط إن سَقَيْتِها ماءً ورَعَيْتِها يوميًّا، لا فقط عندَما تشعُرِين بالرّغبَةِ في ذلكَ، لذلك:

١. عندَ كلِّ صباحٍ، مباشرةً بعدَ استيقاظِكِ، وفي كلَّ ليلةٍ قبلَ أن تَخلُدِي إلى النَّومِ ، عليكِ أَنْ تقرئِي صلواتِ الصّباحِ والمساءِ في كتابِ الصّلواتِ الأرثوذكسيّة – وتحديدًا صلاةَ الافتتاحِ "أيُّها المَلكُ السّماويُّ" (الَّتي نستدعي فيها الرُّوحَ القدسَ ليأتيَ ويسكنَ فينا)، وبَعضًا من الصّلواتِ الأخرى. قولي صلاةً صغيرةً أيضًا من أجل المختصِّينَ بكِ، سائلةً الرَّبَّ أن يحفظَهم ويخلّصَهم. ومن أجلِ الَّذين رقدُوا، طالبةً من الرّبِّ أن يمنحَهم الرّاحَةَ الأبديَّةَ. وأضيفِي صلاةً بكلماتِكِ الخاصّةِ من أجلِ وضعِكِ الحاليِّ: أيُّها الرَّبُّ، امنَحْني الإيمانَ بك واهْدِني إلى سبيلِ الخلاصِ– أو شَيْءٍ من هذا القَبيلِ. فَخمسُ دقائقَ في الصّباحِ والمساءِ منَ صلواتٍ كهذه، نابِعَةٍ من قلبكِ، كفيلةٌ بفتحِ بابِ الإيمانِ أمامَكِ.

٢. اِقْرَئِي كلَّ يومٍ إصحاحًا على الأقلِّ أو حتّى بضعَ آياتٍ من الأناجيلِ الأربعةِ: ابدئِي بالإصحاحِ الأوّلِ لمتّى الإنجيليّ، وتابعِي القراءةَ حتّى نهايةِ سِفر"رؤيا يوحنّا" الإنجيليِّ، ثمَّ ابدَئِيْ من جديدٍ. إنّ أساسَ خلاصِنا موجودٌ في حياةِ ربِّنا وإِلهِنا ومُخلِّصِنا يسوعَ المسيحِ، وهناكَ ستتعلَّمِينَ أن تحبِّيه وتؤْمِنِي بِهِ.

٣. لقدْ سَبقَ وأرسلنا لَكِ (بعد أن أخبرَتْنا السيدةُ "تانيا بلينوف" عنكِ) كتابَ "الحرب اللّامنظُورة". حاولِي أن تقرئِيْ قليلاً منه كلَّ يومٍ أيضًا إن أمكنَ، لأنَّهُ يتحدَّثُ عن الحربِ الرُّوحيَّةِ الَّتي هي كاملُ جوهرِ وجودِنا على الأرضِ.

لا تقرئِي أيَّ كُتُبٍ عنِ "الرّوحانيّةِ" من تأليفِ الكاثوليكِ، أوِ البروتستانت، أو علماءِ النّفسِ، أو أيٍّ كانَ غيرِ أرثوذكسيٍّ، لأنّها سَتتَسَبَّبُ لَكِ اختلاطًا وتشويشًا. قدْ تَكونُ هُناكَ في بعضِ هذِه الكتبِ حكمةٌ أو بصيرةٌ، ولكن في إيمانِنا الأرثوذكسيِّ حصرًا هُناكَ طريقٌ كامِلٌ للخلاصِ ، طريقٌ خالٍ من الخَطَإِ ، وذلكَ من أَجلِ الوُصُولِ إلى اللهِ. يقضِي كثيرون حياتَهم في البحثِ عمّا لا يُوجَدُ إلّا في الكنيسةِ الأرثوذكسيّةِ؛ لكنّ اللهَ قد أنعمَ عليكِ بنعمةِ الوِلادة في كنيستِهِ الأرثوذكسيّةِ المقدّسَةِ، وما عليكِ إلّا أن تعُودي إلى ما هوَ لكِ أصلاً. أَمَّا أنا، ذَا الخلفيَّةِ البروتستانتيّةِ، شعرْتُ أَنَّني قد "عدْتُ إلى بيتِي" حين وجدْتُ الأرثوذكسيّةَ المقدّسةَ؛ فكم بالحريِّ ستشعرِينَ أنتِ بالشُّعورِ نَفْسِهِ حين يبدأُ الإيمانُ فعليًّا بالنّموِّ في داخِلِكِ.

عندمَا تُصَلّينَ، أرجوكِ صلّي من أجلِ الرّاهبَين الخاطِئَين "هيرمَن" و"سيرافيم"، اللّذَينِ يحاولانِ أن يخدمَا اللهَ ضمنَ الدّعوةِ الرّهبانيّةِ. راسِلينِي مجدّدًا مِنْ فَضْلِكِ، ولا تخجلي من طرحِ الأَسئلةِ، وسأُحاوِلُ جاهدًا أن أُجيبَ عَنْها.

معَ محبّتِي بالمسيحِ مخلِّصِنا،

الرَّاهبُ سيرافيمُ

 

المصدر:

https://www.orthodoxethos.com/post/an-introduction-to-the-spiritual-life-letter-from-fr-seraphim-rose