
"هذا يومٌ لن ننسَاه أبدًا، لا أنتَ ولا أنا"
كيفَ أنقذَ "القدّيسُ جبرائيلُ" شابًّا من جحيمِ المخدَّرَاتِ؟
قسطنطين تسيرتسفادزي
نقلَتْه إلى العربيَّةِ: فيرنا جدعون
يُمثّلُ تاريخُ الثَّاني والعِشْرِيْنَ من شهرِ شُباطَ يومًا احتفاليًّا خاصًّا لكلّ من يحبُّ "الشَّيخَ جبرائيلَ"، حيثُ يصادفُ في هذا اليومِ ذكرى الكَشف عن رُفاتِه المقدّسَةِ في عامِ 2014. نتذكّرُ جميعُنا تلكَ الصُّوَرَ: العددُ الهائلُ من النّاسِ، دموعُ الفرَحِ، والشّعورُ بِأنَّه كانَ بيننا مرّةً أخرى - الآنَ، وإلى الأبدِ.
لكنَّ الكشفَ عن الرُّفاتِ المقدّسَةِ ليسَ مجرّدَ حدثٍ تاريخيٍّ، بل هو لغزٌ يكتنِفُ كلَّ واحدٍ منّا. بالنِّسْبةِ إِلَيَّ ، كرَجلٍ كَرَّسَ سنواتٍ لجمعِ الشّهاداتِ عنِ "الشّيخِ جبرائيلَ"، يُمثّلُ هذا اليومُ مناسبةً لأَسألَ نفسِي مُجدّدًا: أينَ هو اليوم؟ هل هو فقَط في "سامتافرو"، عندَ ضريحِه؟
لكنَّ تجاربَ المئاتِ تُثبتُ عكسَ ذلك: إنّه حاضرٌ حيثُ الألمُ. وحيثُ فَقَدَ أحدُهم الأملَ في الخَلاصِ. اليومَ، أودُّ أن أشاركَكُم قصَّةً هزَّتْ أعماقَ نفسِي. إنّها تُخبرُنا عنْ تواجُدِ "الشيخ جبرائيل" في حياتِنا، في أحلكِ الظُّروفِ ، مُثبِتًا أنَّهُ لا حدودَ للزّمانِ أو المكانِ بالنّسبةِ إلى قدّيسٍ اقتنى المحبّةَ. لا يزالُ "القدّيسُ جبرائيلُ" مُستعدًّا لتخطِّي الحُدودَلِتقديمِ التَّضحياتِ ، لكي يخلّصَ حتّى ولو نفسًا واحدةَ.
يشهد خادم الله "زفياد" عن أحداث عام 2013:
كنتُ أعيشُ خارجَ البلاد، ولم أُلاحظْ أَنَّني أَصْبَحْتُ مُدمِنًا على المخدّراتِ. في البدايةِ، أصبحتُ ضعيفًا، ثم فقدْتُ كلَّ فَرَحٍ. فقدْتُ الاهتمامَ بعملِي، ووجدتُني أنفصلُ عن جميعِ أقاربي وأصدقائِي. عندَمَا عدتُ إلى جورجيا، استأجرْتُ منزلًا في منطقةٍ نائيةٍ لأكونَ وحدي، لأَسْتأْصِلَ هذِهِ العادةَ السّيّئةَ ، هذه القذارةَ، منّي. يا لَه من خطإٍ أن نظنَّ أنَّنا نستطيعُ النّجاةَ في مثلِ هذه الظّروفِ من دونِ الله وأحبائِنا! لم أُدركْ إلاَّ، لاحقًا، أنَّ صلواتِ أحبّائي هي الَّتي سَحَبَتْنِي من هذِهِ الحُفرَةِ.
في إحدَى الأمسياتِ، فيما كنتُ أسيرُ بجوارِ الغابةِ، رأيتُ كاهنًا عجوزًا ذا لحيةٍ بيضاءَ، يجلسُ على أحد المقاعدِ ويبكي... كانَ يبكي بحرقةٍ شديدةٍ، وعلى الرَّغمِ مِنْ أَنَّنِيْ تحت تأثيرِ المخدّرات، بادرْتُ إلى مساعدتِه.
همسَ قائلًا: "لم آكُل منذُ ثلاثةِ أيّام. إنّ قوّتِي تخذلُني."
حملتُهُ –حرفيًّا- إلى منزلي. لم يكُن هناكَ الكثيرُ منَ الطَّعامِ في البرّادِ سِوى بعضِ الخبزِ ونقانقِ البولونيا. أجلسْتُه على كرسيٍّ وانطلَقْتُ مُسرعًا إلى متجرِ البقالَةِ. عدتُ مسرعًا وبدأتُ في طَهْوِ البيضِ المخفوقِ والمعكرونة، فقالَ: "لن آكلَ مِنْ دونِك". وها أنَا ذا، رجلٌ قد نَسِيَ ماهيَّةَ الطّعامِ الطَّبيعيِّ، أجلسُ وأعتنِي بهذا الكاهنِ لسَاعَتَيْنِ كامِلَتَيْنِ.
قالَ: "أرغبُ ببعضِ النّبيذِ"
أخبَرْتُه أنّني لا أشربُ ولا نبيذَ عندِي. فكانَتْ رَدَّةُ فعلِ الكاهنِ سريعةً، ونظر إليّ بصرامَةٍ وقال:
"آهٍ، ولكن ليسَ لديكَ مشكلةٌ مع الأمورِ غيرِالمُباحةِ. من الأفضلِ لك أن تَنْتَبِهَ وإلاَّ أرَيتُكَ درْسًا أو اثنينِ"، قالَ ضاحكًا. عرّفَ نفسَه باسم "ماما فاسيلي"، وهو ما يعني "الأَب فاسيلي" باللّغةِ الجورجيّةِ (في طفولتِه، كان الجميعُ ينادونَ الشّيخَ المستقبليّ باسمِ "فاسيكو"، تكريمًا لوالدِهِ الرّاحِلِ).
بعدَ بُرهةٍ، ساءَت حالُهُ. أخذَ يرتجفُ ويلهثُ، ولكنّه منعَنِي من الاتّصالِ بالإسعافِ. وقد كنتُ أنا نفسِي خائفًا أيضًا - ماذَا لو جاءَتِ الشّرطةُ معَ المُسعفين وفتّشُوا المكانَ ووجدُوا الأشياءَ الَّتي أوصلتني إلى هذِه الحالةِ؟
صرخَ: "اتّصِلْ بوالدَةِ الإلَهِ! اطلبْ منهَا المُساعَدَةَ!"
لم أكنْ أعرفُ أيَّ صلاةٍ. ولكن من شدَّةِ خوفي، رحتُ أصرخُ إلى السَّماءِ: "يا والدةَ الإلهِ، ساعدينا! يا يسوعُ، ساعدْنَا!" كما همسَ لي بأسماءِ قدّيسِينَ، لا أذكُر منهم سوى القدّيسَين "خارالامبوس" و"كسينيا من سانت بطرسبرغ." بعدَ حينٍ، تحسّنَتْ حالُهُ. وعند الرّابعةِ فجرًا، طلبَ منِّي طلبًا جديدًا: "خذْني إلى ساغاريجو".
فَسَئِمْتُ من هذا الكاهِنِ الغريبِ، لذلك وافَقْتُ. قطَعْنا مسافةَ تَصِلُ إلى حوالى خمسةٍ وأربعينَ ميلاً. روَى لي بعضَ القِصَصِ ونحنُ على الطَّريق، لكنَّ الشَّيْءَ الوحيدَ الَّذي أذكرُه يقينًا، أنّني استمْتَعْتُ حقًّا بِصوتِهِ وبما رواهُ منَ القِصَصِ. وما إِن وصلْنَا إلى "ساغاريجو" حتّى صَاحَ:
"إلى أينَ أحضرتَنِي؟ لقد طلبْتُ منك الذّهابَ إلى ساغورامو!" الّتي تقعُ على بُعدِ بعد خمسين ميلاً أخرى، ولكن، في الاتّجاهِ المُعاكِسِ. اعتذَرْتُ وأخذْتُ أقودُ إلى تلكَ النّاحيةِ. ثمّ بدأَتِ المشاكلُ. بدايَةً، انفجرَ أحدُ الإطاراتِ بصوت مُدَوٍّ. فَلعنتُ في سرِّي، فغيَّرْتُ الإِطارَ بِآخرَ احتياطِيٍّ ، تقدّمْنَا قليلاً، وإذا بالإطارِ الاحتياطيِّ يتحوّلُ إلى أشلاءٍ! علِقَتِ السّيارةُ، وسادَ الصّمتُ في المكانِ، وهذا الرَّجُلُ العجوزُ الغامِضُ يجلسُ إلى جانِبِي...
أمضَيتُ ساعةً ونصفًا أُحاولُ إيقافَ أحدِهم ليساعدَنا. عندَ الفجرِ، أوصَلَني رجلٌ لطيفٌ إلى أقربِ متجرٍ للإطاراتِ على بُعد عَشَرةِ أميالٍ. بقيَ هذا الكاهنُ الغريبُ في السّيارةِ، قائلاً: إِنَّهُ سيراقبُها. باختصارٍ، تمكّنتُ بطريقةٍ ما من تغييرِ الإطارِ مرةً أخرى، وانطلَقْنَا مجدَّداً نحو "ساغورامو".
غنّى هذا الكاهنُ طَوال الطّريقِ بعضَ الأغاني الجورجيَّةِ، وأخرى غجريَّة من فيلم "الغجر موجودون قربَ السّماء". سألني: "هل شاهَدْتَ هذا الفيلمَ؟ لقد رافقتُ مخيَّمًا للغَجَرِ، وعشْتُ معهم. وقد عمّدتُ الكثيرينَ منهم. لديّ العديدُ من الأصدقاءِ هناك. الغجرُ أناسٌ طيّبونَ..." بدَأْتُ أُدرِكُ أنّ هذَا الرَّجلَ يعرفُ الكثيرَ عنّي. كان يجيبُ عن الأسئلةِ قبل أن أطرَحَها. اصطحَبَني في جولةٍ طويلةٍ على طُرق "ساغورامو"، طالبًا منّي الانعطافَ تارّةً نحوَ اليمين، وطَورًا نحوَ اليسارِ. أخيرًا، ترجَّلَ في نهايةِ الطّريقِ. بعدَ نزولِهِ من السّيارَةِ، استدارَ قائلاً:
"هذَا يومٌ لن ننسَاه أبدًا، لا أنت ولا أنا... لن تَنْسَاه، أليسَ كذلكَ؟ سوف تُخبرُ الجميعَ عنِ الطُّرُق الَّتي سَلَكْناها؟"
وافَقْتُ من بابِ الأدبِ، ثم انطلقتُ عائدًا بالسَّيارةِ. لكن قبلَ أن أتمكّنَ حتّى من الالتفاتِ إلى الوراءِ، حتّى اختفى الكاهنُ، ولَمْ أَعلَمْ أَيْنَ ذهبَ، ولِأَصلَ إلى منْزلي كانَ عليَّ أَنْ أجتازَ خمسيْن ميلاً، وبِصعوبَةٍ كبيرَةٍ، وبعدَ عقَباتٍ كَأْداءَ وَصَلْتُ، أَخيرًا...استغرَقَ الأمرُ حوالى أربعِ ساعاتٍ. دخلتُ المنزلَ وأنا مُرْهَقٌ فَجَلَسْتُ على الأَريكةِ ؛ لَقَدْ أمضيتُ يومًا كاملاً تقريبًا في ذلكَ الوضعِ شديدَ التّوتُّرِ والجنونِ... لمْ أنَم فَحَسْبُ، بلِ انطفأْتُ كالضَّوءِ.
عندَما استيقظتُ في صباحِ اليوم التّالي، دُهشْتُ من شعوري بالرّاحَةِ. ثمّ من بابِ العادةِ، فتحتُ الدُّرجَ لآخُذِ "جرعتي الصَّباحيّةَ"، لكنّني لم أجِد شيئًا هناك، ولا في أيّ مكانٍ آخَر. لقد اختفَى كلُّ شيء... غضبْتُ، ثم خفْتُ وفكّرْتُ: "هل أتَتِ الشّرطةُ إلى هنا؟" في خضمّ تلكَ الحالَةِ من الهَلَعِ، وفيما كنتُ أفتّشُ كُلَّ شَيْءٍ حولِي ، توجّهتُ إلى رفِّ الكُتُبِ. هناكَ وقعَت عينايَ على كتابٍ، على غلافِهِ صورةٌ لشخصٍ بدَا مألوفًا بشكلٍ غريبٍ.
كانَ كتابُ "إكليل الشّيخ". وعلى الغلاف - ذلكَ "الكاهنُ الغريبُ" الذي اعَتَنَيْتُ به ليَومَينِ... أو بالأحرى، لم يكُن كاهنًا غريبًا، بل هوَ "الشّيخُ جبرائيل". واتّضَحَ أنّني لمْ أكنْ أنا مَن كنْتُ أقودُه طَوال ذلك الوقتِ، بل كان هُو مَن يَقُودُني.
جلسْتُ هناك، أنظرُ إلى هذه الصّورةِ. لم أستطِعْ أن أُبعِدَ نظرِي عنها. كنْتُ قد سمِعْتُ عنِ الشّيخِ، لكنّنِي لم أكن أعرفُ عنه شيئًا يُذكَرُ. سَرَت قُشَعْرِيرَةٌ في جسدِي كلِّهِ، وانهَمَرَت دموعِي كالنّهرِ كما يقولُون... لسْتُ أَعلَمُ الوقتَ الَّذي قضيْتُهُ وأنا على هذه الحالَةِ. لكنَّ الأمرَ الرّائعَ هو أنّني في الماضِي، كنتُ لو تأخّرتُ حتّى ولو نصفَ ساعةٍ فقط عنْ تناوُلِ تلكَ المَادّةِ المُريعةِ، تبدأ "أعْراضُ انسحابٍ" رهيبةٌ. أما الآنَ، فقد مرّ يومَانِ بالفعلِ، ولم أشعرْ بأيِّ أعراضِ انسحابٍ، ولا ارتعاشٍ، ولا رغبةٍ مُلِحَّةٍ. كنتُ أسعدَ رجلٍ في العالمِ في تلك اللّحظةِ.
سُرعانَ ما عدتُ إلى عملِي في الخارجِ، إلى عائلتِي، إلى اللهِ، وإلى الحياةِ نفسِها. لقد مرّت ثلاثةَ عشرَ سنةً منذ ذلكَ اليومِ الَّذي وُلدْتُ فيه من جديدٍ. وُلدْتُ من جديدٍ بفضلِ رحمَةِ الرَّبِّ الواسعَةِ، وتدخُّلِ "الأبِ جبرائيلَ" المباشَرِ. في البدايةِ، لم يُصدِّق أحدٌ أنّني لم أعُد أتنَاوَلُ ذلكَ السُّمَّ. عندما اقتَنَعَتْ عائلتي أخيرًا، اعترفَتْ والدتي بِأنّها في ذلكَ الوقتِ، كانَت قد أشعلَتْ شمعةً أمامَ إيقونةِ "الأبِ جبرائيلَ" وصَلَّتْ قائلة: "أرجوكَ، خَلِّص ابْنِي..."
دائمًا ما أتذكّر كلماتِهِ: " هذا يومٌ لن نَنسَاه أبدًا، لا أنتَ ولا أنا... لن تَنساه، أليسَ كذلك؟ ستُخبرُ الجميعَ بالطُّرقِ الَّتي سلكنَاها؟"
حقًا يا "أبانا جبرائيلُ"! حقًا، يا شفيعَنا الكريمَ الَّذي لا يتعبُ، يا أملَنا وحامينا! لن أنسَى. وبهذِه الرّسالةِ، قدْ أَخبرَ الجميعَ أَنَّهُ لَنْ يتركَنا أبدًا. وإن لزَم الأمرُ، سوف تَأتي يا "أبانا جبرائيلُ"! وتُعيدُنا إلى رُشدِنا. ستفعلُ ذلك كما تَعلَمُ أنتَ وحدَك: بطريقةٍ عجيبةٍ، مهيبةٍ، وبأساليبَ لا تستطيعُ عقولُنا المُثقَلَةُ بالخطايَا أن تَتَخَيَّلَها.
أثناءَ استماعِي إلى قصّة "زفياد"، لم يَسَعْني إلاَّ أن أتذكّرَ- وكأنَّه تأكيدٌ - ما ردَّدَهُ "الشّيخُ جبرائيلُ" أكثرَ من مرَّةٍ في الأيّامِ الَّتي سبقَتْ رُقادَه: "أنا راحلٌ، لكنّني سأبقى معَكم دائمًا بشكلٍ غيرِ مرئيٍّ. لن أتخلّى عنكُم أبدًا".
حقًا، إنّ أبانَا الحبيبَ "جبرائيلَ" لا يتخلّى عن أحدٍ! في الثّانِي والعشرينَ من شهرِ شباطَ، يُكشَفُ "الشّيخُ جبرائيلُ" من جديدٍ لكلِّ واحدٍ منّا. إنّه يأتي من صمتٍ "سامتافرو" ليقابِلَنا في ألمِنَا، في شَكِّنا، وفي أمَلِنا. يأتِي إلينا، لكي يَجِدَ كُلُّ واحدٍ منّا - من "ساغاريجو" خاصَّتَه، من طريقِهِ المسدودِ، من "انسحابِهِ" الشّخصيِّ - طريقِ العودةِ إلى الوطن أخيرًا! وطالَما نتذكّرُ هذه الدّروبَ، وطالما نروِيها بعضُنا لبَعضٍ، فلن نكونَ أيتامًا.
نحنُ لا نؤمنُ بهذا فحسبُ، بل نرى حضورَه بأمِّ أعينِنا في حياةِ النّاسِ الَّذينَ تغيّرَت حياتُهم، ونسمعُ صرخَتَه المنتصرَةَ في كلِّ نبضةِ قلبٍ، مُتَغَلِّبًا على كلِّ مَوتٍ:
"لقد مُتُّ، ولكنّني حَيٌّ! ولن أفارقَكُم أبدًا."
عيدٌ بهيجٌ بمناسبةِ اكتشافِ الرُّفاتِ الثّمينِ لحبيبنا الجليلِ "جبرائيلَ" أيُّهَا الأحبّاءُ!
https://orthochristian.com/175940.html