عقيدة عيد رقاد والدة الإله

عقيدة عيد رقاد والدة الإله

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان

نُشرت في الكرمة، العدد 31، 2 آب 2026

 

في إيماننا المسيحيّ، ظهور الله بالجسد كان أكبر تدخل شخصيّ لله في تاريخ البشر، لكنّ الله لم يتدخّل من دون موافقة البشريّة على هذا الظهور. فإرادة الله قادرة أن تعمل ما تشاء، لكنّ في كل ما يتعلّق بالإنسان، الله يقف أمام كائنات تحمل صورته؛ ولا يمكن لله أن ينتهك صورته. هكذا بعمليّة تآزر مع إرادة الإنسان دخل الله التاريخ البشريّ، والعذراء مريم كانت هي عنصر هذا التآزر. طاعتها كشفت الصورة الأصليّة لله في الإنسان في كل بهائها، كانت نموذجاً مثاليّاً لعمل إرادة الإنسان مع نعمة الله؛ أهميّة طاعة مريم أنّها كانت بشراً كباقي البشر، وإرادتها هي إرادة البشريّة نفسها. نتكلّم عن طاعة مريم، لكنّ الطاعة مرتبطة بالإيمان؛ طاعة العذراء أعطتها إيماناً تجاوز إيمان كل أبرار العهد القديم، ونعمة تسليم مشيئتها بالكامل لمشيئة الله، وأن تُصبح مستحقّة لهذا الاختيار الإلهيّ، ويتجسّد منها ابن الله وتصير والدة الإله.

نبتدأ صوماً لعيد رقاد والدة الإله، الصوم في المفهوم الأرثوذكسيّ، إضافة إلى ضبط الأهواء والشهوات، غايته الأولى عودة الإنسان إلى ذاته ليعرف نفسه الداخليّة، ويكتشف فقره وحاجته إلى النعمة الإلهيّة. غاية هذا الصوم هو الدخول في سرّ والدة الإله، وهو سرّ اختيارها وعمل نعمة الروح القدس فيها، في بشارتها وولادتها ورقادها. لقد دعتها صلواتنا "أمّ الحياة"، وبهذه النعمة استحقّت أن تصير أمّاً لكل الّذين آمنوا بالحياة الجديدة التي وُلدت منها. الكنيسة الأرثوذكسية تُسمي هذا العيد "رقاد والدة الإله"؛ من القرن الثامن يقول القدّيس يوحنا الدمشقي: "نحن نحتفل برقادها ولا ندعوها إلآهة... لأننا نعلن موتها". وبعد موتها انتقالها إلى الحياة الخالدة مع ابنها. فرغم أنّ الروح القدس طهّرها من نتائج الخطيئة الأصليّة، وملأها من نعمته، كما يحصل في كل معموديّة، لكن بما أنها وُلدت في ناموس السقوط وتسلّط الخطيئة، كان ينبغي أن تموت والدة الإله بالجسد، كما أن كل إنسان آتٍ إلى العالم ينبغي أن يموت؛ وذلك لتولد في عدم فساد. إنَه ناموس الخلاص، لا بدّ لهذا الفاسد أن يلبس بالموت عدم الفساد؛ وحبّة الحنطة بالموت تتكاثر في ملكوت الله.

رقاد والدة الإله هو عقيدة في الأرثوذكسيّة؛ والعقائد المسيحيّة هي سلسلة واحدة متواصلة لا يمكن أن تنفكّ؛ إذا حُلّت واحدة تنفك كل سلسلة الإيمان، لأنّ العقائد ليست هي سوى تحديدات للإيمان المستقيم. هكذا أيضاً، العقائد المختصّة بوالدة الإله هي واحدة ومترابطة، انحراف واحدة من هذه العقائد يقود إلى تغيير لا فقط ما يختصّ بوالدة الإله، إنّما بكلّ سرّ تجسّد ابن الله وخلاص البشر. لهذا تُعالج الكنيسة العقائد المختصّة بوالدة الإله ضمن كلامها في اللاهوت الخريستولوجيّ.

هذه العقيدة الأرثوذكسيّة عن رقاد والدة الإله، التي كانت تحتفل بها الكنيسة في الشرق والغرب معاً لأكثر من ألف سنة، اصطدمت بتغيّر جوهري لهذا العيد، حين تبنّى اللاهوت الكاثوليكيّ سلسلة عقائد منحرفة عن الإيمان الواحد الّذي عاشته الكنيسة الواحدة دائماً، قادتها أخيراً إلى قبول عقيدة عدم موت مريم، بل "انتقال العذراء جسدياً إلى السماء" أو "صعود مريم". وذلك استناداً على عقيدة منحرفة سبقتها وهي عقيدة الحبل بلا دنس، والتي بدورها استند تحديدها على عقيدة سبقتها وهي وراثة خطيئة آدم الشخصيّة لكل الجنس البشريّ.

"العذراء نُقلت جسداً ونفساً إلى المجد السماوي"، التي أعلنها البابا بيوس الثاني عشر عقيدة عام 1950 في الدستور الرسولي، كانت بدايته الأولى انحراف اللاهوت البابويّ عن العقيدة الآبائيّة لنتائج السقوط. العذراء كانت تمثّل كل الجنس البشري، وهي تمثّل أيضاً أعلى قمة في القداسة كان يمكن أن يصلها إنسان قبل المسيح. لكن هذه القداسة لم تكن فوق طبيعيّة؛ مريم وُلدت وهي تحمل نتائج الخطيئة الأصليّة لآدم، قداستها الشخصيّة جعلتها تستحق أن تمتلء من النعمة الإلهيّة، ورغم هذا ظلّت تحتاج إلى الخلاص الذي أتمّه إبنها بدمه على الصليب. حتى العذراء خلصت بدم ابنها. نحن لا نرث خطيئة آدم الشخصيّة إنّما حالة الضعف والفساد التي نتجت عن خطيئة آدم. لكن اللاهوت الغربيّ، خاصّة بعد القرن التاسع وسيطرة العقلانيّة السكولاستيكيّة، أخذ يتبنّى الفكر الأوغسطينيّ الّذي حدّد أنّ كل من يولد في العالم يرث خطيئة آدم الشخصيّة. أي أنّ كل شخص يولد بالطبيعة خاطئ. هذه العقيدة أجبرت اللاهوت الغربيّ أن يتبنّى عقيدة أسوء وهي: إذا كانت مريم ككائن بشريّ يرث خطيئة آدم، فهي لن تستطيع أن تحوي الإله في داخلها؛ فكان لا بدّ من عقيدة تنزّه مريم عن وراثة هذه الخطيئة الأصليّة، فأتى تحديد البابا بيوّس التاسع سنة 1854 لعقيدة الحبل بلا دنس؛ أي انّ مريم حين حُبل بها من والديها، عُصمت عن دنس الخطيئة الأصليّة.

النتيجة الطبيعيّة لعقيدة الحبل بلا دنس هي عدم موت مريم. إذا كان الموت دخل إلى العالم بسبب الخطيئة، مريم وُلدت من دون هذه الخطيئة الأصليّة، إذا لا ينبغي أن تموت كما يموت سائر البشر الخطأة.

الموت، بحسب اللاهوت الأوغسطيني الذي استند عليه الغرب في صوغ عقائده، ليس سوى عقاب على الخطيئة الأصلية، أما في اللاهوت الأرثوذكسي هو نتيجة لها؛ الموت هو عمل رحمة بالبشر لكي لا يصير الشرّ خالداً.

في اللاهوت الأرثوذكسي، رقاد مريم مرتبط بخاصيّتها كوالدة الإله. العذراء رقدت فعلاً وفارقت روحها جسدها ولكن الرب أصعد جسد أمه البارة لأنه جسد أم الحياة. تتكلّم صلواتنا الليتورجيّة عن صعود العذراء مريم إلى السماء بجسدها، لكن بعد رقادها. إنّها ليست عقيدة مُحدّدة في مجمع مقدّس، لكنّها جزء من تقليدنا، وإيمان لا يتزعزع بأنّ هذا الجسد الّذي سكن فيه الإله بجوهره، وأعطاه جسداً من جسده ودماً من دمه، لا يمكن أن ينحلّ هذا الجسد الترابيّ ويعود إلى حالة الفساد التي نتجت عن الخطيئة الأصليّة.

اختيار الله لمريم لم يكن اختياراً قانونيّاً، إنّما لأجل قوّة إيمانها. كل عطيّة ينالها الإنسان وكل جهاد روحيّ يُحقّقه في عمل الوصايا أساسه الإيمان. بالإيمان تُعطى لنا النقاوة والمحبّة والاختيار الإلهيّ. لهذا تشديد كنيستنا على أرثوذكسيّة الإيمان هو أمر أساسيّ لاستقامة مسيرتنا مع الله. قوّة الإيمان تولد من الطاعة؛ وطاعة الإيمان وإخضاع الفكر لكل تقليد الكنيسة هو الّذي يُعطي النفس سلاماً وثباتاً في هدفها. لا يمكن لنفس لها أفكارها الخاصّة وتعمل مشيئتها الذاتيّة أن يكون لها إيمان حقيقيّ وهدف ثابت في حياتها. يقول الإنجيل أنّ مريم كانت "تَحفظ جميع هذه الأمور في قلبِها" (لو2: 51)؛ بالإيمان كانت مريم تحفظ في نقاوة قلبها كل ما تراه وتسمعه، بفعل طاعتها لكل الناموس والوصايا والنبوءات. بهذه الطاعة اكتمل إيمان مريم ونقاوة ذهنها، وأصبحت أفكارها تتجّه نحو هدف واحد، الهدف الّذي حدّده الله لوجودنا. ماتت مريم قبل أن تموت، ماتت عن كل مشيئة ذاتيّة وهذا أسمى موت في المسيحيّة. إنّه الموت الّذي يجعلنا مستحقّين لاتّحاد مشيئتنا بمشيئة الله، وعبور الموت الجسديّ إلى القيامة الكاملة من بين الأموات.

بهذا الموت عن العالم والمشيئة أصبحت والدة الإله مثالاً للعالم. أصبحت أوّل مثال لرقاد القدّيسين. في رقادها حصدت ثمار جهادات طاعتها. بطاعة الإيمان في حياتهم الأرضيّة يتخطّى القدّيسون الخوف من الموت. يعبرون هذا العالم الزائل بفكر لا يهتزّ. الموت، أو خروج النفس من الجسد، لن يكون سهلاً على الّذين عاشوا هذه الحياة وهم يعملون مشيئتهم الخاصّة. أمّا الّذين صاروا واحداً مع المسيح، بفعل طاعتهم واتّحاد مشيئتهم بمشيئته، لن يكون للموت سلطاناً عليهم بعد. إيمان ثابت بقوّة هذه النعمة، لا يُزعزعه الخوف الذّي يزرعه الشيطان فينا في تلك اللحظات، هو دائماً أقوى من الموت الدخيل إلى طبيعتنا بسبب العصيان.