
عظة عن الأحد الرابع من لوقا (أحد آباء المجمع المسكونيّ السابع)
التعليم الإكليزيولوجيّ
"فالزرع هو كلمة الله" (لو8: 11)
المتروبوليت إيروثيوس فلاخوس
نقلها إلى العربيَّة الشمَّاس مكسيموس سلُّوم
أيُّها الإخوة الأحبَّاء،
إنَّ التعليم التفسيري لمثل الزارع، والإعلان بأنَّ الزرع هو كلمة الله، هو أحد أسرار ملكوت الله التي استحقَّ تلاميذ هذا الملكوت السماوي، وما زالوا يستحقُّون، أن يعرفوها. وهذه هي القيمة العظمى للكرازة في رحاب الكنيسة؛ فهي كشفٌ وتفسيرٌ لأسرار ملكوت الله للذين يطلبونه. إنَّها عملٌ مقدَّس حقيقي، وقوَّةٌ مُغيِّرة. وسيُفسَّر هذا التعليم الأساسي فيما يلي.
في كلِّ اجتماع إفخارستيّ وللصلاة، تُتلى قراءات الإنجيل والرسائل الرسوليَّة التي اختارتها الكنيسة، ثم يتبعها تفسيرها وشرحها.
وهكذا، فإنَّ كلمة الكلمة هي حيَّة، ذات قوَّة مُغيِّرة. فعندما تُفسَّر هذه الكلمة في القدَّاس الإلهي على يد القديسين، الذين اتَّحدوا بالمسيح الكلمة، فإنَّها تُسهم في الإثمار الروحي للمسيحيين، متى كانت لديهم هم أيضًا الاستعدادات والشروط المناسبة. والعظة جزءٌ لا يتجزأ من القدَّاس الإلهي والعبادة، وينبغي أن تُلقى في جوِّهما وروحهما.
يُقال هذا لأنَّ كثيرين من المسيحيين، وللأسف، يعتبرون العظة عنصرًا دخيلاً على القدَّاس الإلهي. وعندما يحين وقت العظة، يُبدون استياءهم منها بطرائق مختلفة. وبالطبع، من المهم جدُّا ما يُقال، ومن هو الذي يلقي العظة. وسنرى ذلك فيما يلي.
وهنا لا بدَّ من التشديد على هذه الحقيقة: إنَّ الذين اعتادوا، في الغالب، أن يعيشوا العبادة على نحوٍ عاطفي، ولا يريدون الإصغاء إلى العظة؛ والذين لا يشعرون بالرعيَّة كعائلة، وبالكنيسة كجسد المسيح؛ والذين ينظرون إلى القدَّاس الإلهي على أنَّه مجرَّد تعاقبٍ للعروض، ويوم الأحد وقتٌ للترفيه؛ هؤلاء ينسون أنَّنا في القدَّاس الإلهي نقدِّم حياتنا بأسرها، وعندئذٍ تسير حياتنا كلَّها في مسارها الطبيعي وبصورة سليمة.
لقد أدرك قيمة العظة أولئك المسيحيون الذين عاشوا الحياة الأسراريَّة في الكنيسة، أولئك الذين لا ينظرون إلى الكنيسة كمؤسَّسة قائمة فحسب، بل كجسد المسيح ومجتمعٍ للتألُّه. يشرح بولس الرسول قوَّة كلمة الله. إنَّ كلمة الله، بما هي قوَّة الكلمة، لها قدرة؛ ولذلك يكتب: «لأنّ كلمة الله حيّة وفعّالة وأمضى من كلِّ سيف ذي حدَّين، وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، ومميِّزة أفكار القلب ونيَّاته» (عب 4: 12).
وفي الإنسان الذي تهيَّأ على النحو الصحيح، تعمل كلمة الله في العمق، فتدخل إلى كيانه بأسره وتغيِّره، وتغذِّيه وتحييه. وكلمة الله، الصادرة من الله نفسه أو من أناس متَّحدين به، هي كلمة مُحيية، تقود الإنسان إلى توبة عميقة، وتمنح النور لوجوده.
في إحدى عظاته، يتوسَّل القديس غريغوريوس بالاماس إلى سامعيه أن يجتمعوا ويرفعوا أذهانهم نحو نور كرازة الإنجيل، لكي يتغيَّروا، وبعد أن ينالوا المجد الإلهي، يصيرون على "صورة مجد الربّ". وبحسب تعليم الأب القديس نفسه، فكما أنَّ وجه الربّ أثناء التجلِّي «أضاء كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور» (مت 17: 2)، كذلك أيضًا حرف الكلمة، الذي هو لباس المسيح، والذي تستَتِر تحته ألوهة المسيح، يكون «أبيضَ ونقيًّا، بل مصقولاً ولامعًا وشبيهًا باللآلئ؛ وفوق ذلك، إلهيًّا وموحًى به من الله، بالنسبة إلى الذين يعاينون الروح القدس بالروح».
إنَّ تشبيه كلمة الله بالزرع ينطوي على معنى عميق. فكما أنَّ الزرع لا يُظهر في الظاهر شيئًا عظيمًا، لكنه يخفي في داخله قوى عظيمة يمكنها، متى توافرت لها الشروط المناسبة، أن تظهر وتعمل، كذلك أيضًا تبدو الكلمة الإلهيَّة في ظاهرها فقيرة وضعيفة إذا ما قورنت بالكلمات البشريَّة المصاغة بإتقان؛ لكنَّها، مع ذلك، تخفي في داخلها قوى عظيمة كهذه، حتى إنَّها، حين لا يراها أحد، تُدهش الذين يختبرونها. وتحت كلمة الله تكمن نعمة الله التي تجدِّد الإنسان. وهكذا يُفسَّر كيف أنَّ النفوس تتوب وتؤمن بالمسيح من خلال عبارات قليلة من الإنجيل، أو من خلال عبارات قليلة من عظة. لذلك، عندما تُقدَّم كلمة الله بوضوح، وعندما تُسمَع بوضوح، فإنَّها تجدِّد الإنسان.
إنَّ العظة ليست كلامًا بشريًّا ينشغل باستعراض الأفكار الجميلة، أو بالترويج للشعارات والإعلانات المدهشة، أو بعرض المفاهيم والتأمّلات الفلسفيَّة، بل هي كلامٌ إلهيٌّ يهدف إلى خلاص المؤمنين. وحين تتوافر الشروط اللازمة، أي الإخلاص، والبحث الحقيقي، والأرض الصالحة، تُثمر بذرةُ الله ثمرًا بنتائج مدهشة. أمَّا الذين لا يفكِّرون إلا في الحياة الحاضرة، بما فيها من هموم واهتمامات وغرور الغنى، فتبقى كلمة الله فيهم بلا ثمر. وهنا نرى المفهوم اللاهوتي للتآزر؛ أي إنَّ على الإنسان أيضًا أن يتعاون مع نعمة الله، لكي تشرق في داخله شمس الخلاص.
ينجذب كثيرون إلى العمل الاجتماعي، ويتجاهلون كرازة الكنيسة. يريدون من الكنيسة أن تكفَّ عن الاهتمام بالكرازة، بل حتَّى بالعبادة، وأن تنخرط في الخدمة الاجتماعيَّة. غير أنَّ هذا يشكِّل جهلاً حقيقيًّا؛ لأنَّ الكنيسة، من خلال التعليم الإلهي، تتجاوز العمل الاجتماعي وتُنمِّي المحبّة للإنسان.
إنَّ كرازة الكلمة الإلهيَّة، حين ترتبط بالإفخارستيا الإلهيَّة وتستمدَّ روحها من أجوائها، هي أعظم عطيَّة يمكن أن تُقدَّم للإنسان.
فلنقبل كلمة الله في قلوبنا النقيَّة، لكي تُثمر فيها ثمرًا وفيرًا.
https://www.johnsanidopoulos.com/2022/10/homily-for-fourth-sunday-of-luke.html