
"من لَجْئُون إلى السلام الإلهي"
عظة للأرشمندريت غريغوريوس اسطفان
رئيس دير رقاد والدة الإله بكفتين
25 تشرين الأول 2026
(لو ٨: ٢٧ - ٣٩)
باسمِ الآبِ والابنِ والروحِ القدسِ، الإلهِ الواحدِ، آمين.
هذا المقطع الإنجيلي معروف عن ذلك الشخص الذي كانت ساكنة فيه كتيبة من الشياطين؛ شياطين كثيرون كانوا ساكنين في هذا الإنسان، وكان يعتريْه عذاب رهيب.
هكذا الناس الذين يتعرضون لتأثير الشياطين أو تسكن فيهم، يتعذبون لأن الشياطين لا رحمة لها ولا شفقة لديهم أبداً. وكل هدف الشياطين يصطدم في عدم قدرتهم على محاربة الله؛ فقد خرجوا من طاعة الحياة الأبدية، ومن طاعة الله ووصاياه.
لقد خرجوا وامتلأوا ظلمة في داخلهم، وحلّ فيهم شرّ رهيب، وهدفهم محاربة الله بكل الوسائل. ولكن، لأنهم لا يقدرون على إلهنا، فإنهم يحاربون خليقة الله والإنسان، وهدفهم تدمير خلاصه.
هكذا دائماً شأن البشر؛ فالإنسان الذي يملأ الشر قلبه، يحب أن يصنع الشر بكل الناس لكي يصبحوا مثله. هكذا هو الإنسان الشرير، الإنسان الذي تتملّكه قوى شيطانية؛ ما من شرّ في النهاية، إلا وتكون وراءه قوى شيطانية وأرواح نجسة.
من أجل ذلك، فإن الإنسان الصالح يسعى لكي يصير كل الناس صالحين؛ لأن قلبه يمتلئ بالصلاح، ويسعى لهداية الجميع إلى المسيح الذي هو مبدأ كل صلاح.
ولكننا نجد أنفسنا في عالم ساقط. عندما تجسد مسيحنا ومات وقام، سحق قوة الشيطان كليّاً.
نعلم كلّنا أنه قبل المسيح، كانت كل نفوس الموتى تذهب إلى الجحيم؛ ولم يكن لها آنذاك مكان مع الرب، بل كانت تذهب إلى حيث يوجد الشيطان المسيطر هناك كسيّد للجحيم.
ولكن، عندما تجسد ربنا ومات على الصليب ونزل إلى الجحيم، نزل بالصليب إلى الجحيم ليحرر الراقدين، وأقام جميع الناس الذين كانوا منتظرين خلاصه.
على الرغم من أن ربنا سحق قوة الشيطان بقيامته، إلا أنه ترك محاكمته إلى يوم الدينونة، مثلما ترك البشر أيضاً إلى يوم الدينونة.
ولكن هناك فرقاً كبيراً بين ما قبل قيامة المسيح وما بعدها؛ فبعد قيامته، أصبح الشيطان مقيداً، وبات أي إنسان يجاهد ليكون مع الرب قادراً على أن يكون أقوى من الشيطان.
الشياطين هي أرواح لها قوة تشبه قوة الملائكة، لأننا نعلم أنها كانت في الأصل ملائكة، لكنها سقطت بسبب عصيانها. وعندما سقطت، بقيت قوتها، لكنها أصبحت مقيدة بعد قيامة المسيح.
لهذا السبب، فإن الإنسان المؤمن الذي يمتلك إيماناً حقيقياً وصحيحاً بالرب يسوع لا يخاف من الشياطين؛ لأنه يعلم أنه بقوة المسيح يستطيع سحقهم، تماماً كما سحقهم المسيح. الإنسان قادر بقوة المسيح على قهرهم، لكن المشكلة تكمن في ضعف إيماننا.
فنحن نؤمن لكنّ إيماننا ضعيف، ولذلك نخاف من كل شيء. أما الإنسان الذي يسعى لأن يكون إيمانه ثابتاً وقوياً بالرب، فلا يخاف منهم، بل يخاف من الخطيئة، ويخاف من التسلط الشيطاني.
فالشياطين تتسلط على الإنسان، وربنا يسمح بذلك — حتى بعد قيامة المسيح — للناس البعيدين عنه والواقعين في الشرور، حيث يمكن أن تدخل فيهم الشياطين. ونحن جميعا نرى في حياتنا المسيحية كيف أن هناك أناساً تسكن فيهم الشياطين، ويلجؤون إلى الكنائس، ويتعرضون لكل أنواع التأثيرات الشيطانية على حواسهم.
ربنا يسمح بذلك، لا لأنه يريد إيذاء البشر، بل لأن هناك أناساً لا يهتدون إلا بتجارب شيطانية مخيفة.
تجارب الشيطان مرعبة ومؤذية، إنّها مُخيفة للإنسان الذي يخضع لتأثيرها أو تسكن فيه. يسمح إلهنا بذلك من أجل خلاص الإنسان وخلاصنا.
لهذا كنا نقول إن هناك كثيراً من الناس سكنت فيهم الشياطين — ونحن نحدثكم عن أمور اختبرناها مع أناس كثر — هؤلاء عادوا وتابوا توبة صادقة بعد أن كانوا بعيدين عن الله وعائشين في كبرياء هائل.
إن أكثر سبب يؤدي إلى سكنى الشياطين في الإنسان هو كبرياء الإنسان نفسه. فالشياطين سقطت بسبب الكبرياء، وكان ذلك سقوطهم الكبير؛ إذ تكبروا وأرادوا أن يصيروا مثل الله، وهذا أكبر كبرياء وأعظم خطيئة توجد في الكون كله.
لذلك، فإن الإنسان الذي يبلغ مرحلة الكبرياء يرى نفسه كإله، ويعيش لمجده الخاص. لا شيء يزيل هذا الكبرياء في أوقات كثيرة — وإن لم يكن في كل الحالات — إلا تجارب شيطانية مخيفة.
حتى عندما يواجه الإنسان أموراً قاسية، عليه أن يدرك أن كل ما يسمح به الله هو من أجل خلاصه، لأنه من المُستحيل أن يسمح الله بشيء — حتى لو بدا لنا مؤلماً ومؤذياً — إلا ويكون وراءه خلاص للإنسان. وكما ذكرنا، فإن أناساً كثيرين سكنت الشياطين بداخلهم، والسبب يوجد في الإنسان الذي يرتكب خطايا ويعيش بكبرياء كبير، ولا يعترف بذلك بصدق وأمانة. مثل هذا الإنسان يفتح بالتأكيد باباً للشياطين عليه. من أجل ذلك، يسمح الله للشياطين أن تتسلّط عليهم، لعلهم يخلصون أنفسهم في اليوم الأخير، كما يقول بولس الرسول: «أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هَذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلَاكِ ٱلْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ ٱلرُّوحُ فِي يَوْمِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ» (1 كو 5: 5).
هذا هو هدف كل التجارب التي نتعرض لها؛ حتى تخلص نفوسنا في اليوم الأخير. نتعذب في هذا العالم قليلاً، وقد نتعرض لآلام كثيرة أوقاتاً، ولكن كل هذا وقتي وكل هذا عابر؛ والمهم أن تخلص نفوسنا إلى الحياة الأبدية. في الحياة الأبدية لا توجد توبة، ولا يستطيع الإنسان أن يتغير أو يتوب هناك؛ لذلك بكل ما يسمح به الله، نفهم أن هناك حكمة إلهية وراءه، فنرجع إلى أنفسنا ونتوب.
حقّاً أكبر خطيئة هي الكبرياء؛ وهذا الكبرياء يغذيه روح العالم في كل نفس. وكل ما يقدمه العالم للإنسان من خلال التكنولوجيا والتقدم، إنما هو لتغذية الكبرياء والأنا لديه، ليصل إلى اعتبار نفسه كياناً قائماً بذاته لا يحتاج لأحد. وهذه الخطيئة الناتجة عن الكبرياء تجعل الإنسان يرى أنه غير محتاج حتى لله. وشيئاً فشيئاً، يزداد الإنسان تكبراً بدخول الكبرياء الشيطاني فيه. لذلك، فإن التجارب هي التي تعلّم الإنسان كيف يتواضع ويعرف حاجته إلى رحمة الله.
هذه هي حربنا الحقيقية في هذا العالم؛ حرب ضد ذاتنا وضد الكبرياء الذي فينا، والذي يجعلنا نقع تحت تأثير كل هذه الشرور الشيطانية. ما من شيء يزيل هذه القوات إلا أن يتواضع الإنسان ويطلب رحمة الله بلا توقف، ويصلي ويعترف ويتوب. فالتوبة الحقيقية لا تأتي إلا بعد أن يعرف الإنسان ذاته على حقيقتها. وبدون تواضع، يستحيل على الإنسان أن يعرف نفسه، أو يعترف بخطيئته، أو يدرك أهواءه وكبرياءه.
لذلك، علينا أن نكسر مشيئتنا، ونكسر قناعاتنا وأفكارنا، ونتواضع ونطيع إيماننا، ونطيع الكنيسة وآباءنا الروحيين، ونتمسك بخبرة آبائنا القديسين لنعيش وصايا المسيح التي تحرِرُنا من كل تأثير شيطاني أو أرضي.
نسأل الرب أن يمنحنا روح التواضع والتوبة الصادقة، لكي نتحرر من كل حروب العدو ونخلّص نفوسنا للحياة الأبدية. آمين.