القديس إسحق السُّريانيّ كنموذج لحياتنا
القديس إسحق السُّريانيّ كنموذج لحياتنا
المتقدِّم في الكهنة جورج بابافرنافاس
نقلها إلى العربيَّة الشمَّاس مكسيموس سلُّوم
عاش القديس إسحق في القرن السادس. كان من سوريا، وتحديدًا من مدينة نينوى. لا تتوفَّر لدينا أيَّة معلومات عن والدَيه. لكنَّنا نعلم أنَّ القديس تلقَّى تعليمًا صالحًا، وأنَّه في سنٍّ مبكرةٍ اعتزل العالم ودخل ديرًا لحياة الشركة. ثمَّ اعتزل لاحقًا في البرِّيَّة، حيث جنى الثمار الحلوة للحياة الهدوئيَّة، ثمَّ، طاعةً للكنيسة، رُسم أسقفًا على نينوى.
في يوم رسامته، وبينما كان في مقرِّ الأسقفيَّة، حضر إلى مكتبه رجلان أحدهما كان يطالب بمالٍ كان قد أقرضه، والآخر لم يرفض أن يسدِّد ما عليه من دَين، لكنَّه طلب أن يُمهَل يومًا آخر. فقال القديس للمُقرِض إنَّه، بحسب تعاليم الإنجيل المقدَّس، لا ينبغي له أن يطالب بما أقرضه، وأنَّ عليه أن يصبر يومًا آخر. فأجابه المُقرِض قائلاً إنّه لا يبالي بما يقوله الإنجيل، وألحَّ على المَدين أن يردَّ المال الذي اقترضه في الحال، وإلاَّ فإنَّه سيقدِّم شكوى إلى القاضي. فغضب القديس وقال: «إن كان هؤلاء الناس لا يطيعون أوامر الربّ، فلماذا أتيتُ إلى هنا؟» إنَّ هذه الحادثة، إلى جانب مختلف المشاغل التي نشأت حتمًا عن إدارة الأبرشيَّة، حملت القديس على العودة من جديد إلى البرِّيَّة المحبوبة لديه.
إنَّ عظاته النسكيَّة التي دوَّنها تفوح منها رائحة البرِّيَّة، أي رائحة التقليد الصحويّ والهدوئيّ. فهي صادرة عن لاهوتيّ حقيقيّ، وعن رجلٍ عاين الله، لم يكتفِ بدراسة ما يكتبه، بل رآه واختبره وعاشه. ويقول أيضًا في عظته الثالثة والعشرين، بإضافة لأمورٍ أخرى، إنَّ من لم يرَ الشمس بعينيه لا يستطيع أن يصف لشخصٍ آخر ما هو ضوء الشمس، مستندًا فقط إلى ما سمعه عنها، لأنَّه لم يختبر هذا النور كما هو في الحقيقة. وهكذا أيضًا الأمر بالنسبة إلى الذين لم يذوقوا في نفوسهم حلاوة العمل الروحيّ. لذلك، فإنَّ ما يعلِّمه هو ثمرة المعرفة الروحيَّة والخبرة المُعاشة.
رقد القديس إسحق السُّريانيّ بسلام في سنِّ الخامسة والسبعين.
سنورد الآن بعض المقاطع من أقواله، التي لا تزال دائمًا راهنةً ومفيدةً، ونافعةً.
"وصايا الله أسمى من جميع كنوز العالم؛ والذين يثبتون فيها يجدون الله."
إنَّ وصايا الله ليست أحكامًا قانونيَّة، بل هي علاماتٌ روحيَّة تشير إلى سيرةٍ معيَّنة في الحياة، وتقود إلى الاتحاد بالله والشركة معه. وعندما تكون مطيعًا للوصايا الإلهيَّة، فإنَّك ترتقي تدريجيًّا في معرفة الله، وهي معرفةٌ ليست عقليَّةً ذهنيَّة، بل معرفة اختباريَّة في القلب. وفي وصايا الله تكمن القوى الإلهيَّة غير المخلوقة، ولذلك يقول القديس إسحق إننا نجد الله فيها. وهو يعتبرها أثمن من جميع كنوز العالم، لأنَّه ليس في الوجود ما هو أثمن من الله.
"ليَكُن فمك دائمًا يُفيضُ بالبركة، فلا تذمّ. فإنَّ الذمَّ يَلِدُ الذمَّ، والبركة تَلِدُ البركة."
يحثُّنا القديس إسحق على أن نتكلَّم دائمًا بالخير عن الآخرين، وألاَّ نذمَّ أحدًا أو نتكلَّم عليه بالسوء. فمن يذمُّ الآخرين، سيُذَمُّ بدوره، لأنَّ كلَّ شيءٍ يَلِدُ ما يُشبهه، كما يحدث أيضًا في الكائنات الحيَّة. وهكذا، فالذمُّ يَلِدُ الذمَّ، والبركةُ تَلِدُ البركةَ. وبالطبع، كثيرًا ما تمنع الأهواء الإنسان من أن يقول كلامًا صالحًا عن الآخرين، حتَّى وإن كان في أعماقه يرغب في ذلك. لكن ينبغي للإنسان أن يصرَّ ويجاهد من أجل قهر الأهواء. وحتَّى إن وجد صعوبةً في أن يقول كلمةً صالحةً عن شخصٍ آخر، فعلى الأقل، فليمتنع عن ذمِّه والتكلُّم عليه بالسوء.
"اذهب إلى أصدقائك بخشوعٍ ووقار، ومتى فعلتَ ذلك، جلبتَ المنفعة لنفسك ولهم."
ينبغي أن يكون التواصل بين الإنسان وأصدقائه في جوٍّ من الإلفة، ولكن أيضًا في إطارٍ من اللياقة والاحترام، لأنَّ الإلفة لا ينبغي أن تلغي اللياقة والاحترام. فعندما تقوم الصداقة على احترام شخص الآخر وفرادته، تتجنَّب العلاقات سوء الفهم والاحتكاكات، ويجني الأصدقاء منفعةً عظيمة من تواصلهم بعضهم مع بعض، إذ تبقى المحبَّة والسلام محفوظَين بينهم.
"ليس ما يُقرِّب القلب إلى الله مثل الإحسان، وليس ما يمنح الذهن مثل هذا الهدوء مثل الفقر الطوعيّ."
إنَّ الإحسان، المرتبط بالمحبَّة، يُقرِّب الإنسان من الله؛ أو بالأحرى، إنَّ الله يسكن في قلب الرحيم، وعندئذٍ يتغيَّر القلب ويصير فردوسًا.
وعندما يحبّ الإنسان الفقر، ويختاره بإرادته ويجعله نصيبه، يهدأ الذهن والقلب، إذ يمتلئان بنعمة الله. ولا شكَّ في أنَّه ليس ثمَّة خير أعظم من السلام الداخليّ والسكينة.
نرى، ولا سيَّما في أيامنا هذه، حيث تُثار كثيرًا مسألة ما يُسمَّى بالأزمة الماليَّة، أناسًا كثيرين ممن يملكون السلطة والنفوذ في هذا العالم يُظهرون اهتمامهم بالفقراء والضعفاء ورعايتهم لهم، في الوقت عينه الذي يملكون فيه أموالاً وعقارات كثيرة ويعيشون في راحة ورفاه. أمَّا مَن يريد حقًّا أن يساعد المحتاجين، فعليه أيضًا أن يعيش ببساطة وفقر. وهكذا يساعد الفقراء بمثاله، وفي الوقت نفسه ينتفع هو أيضًا، إذ يختبر السلام الداخليّ والامتلاء الروحيّ.
إنَّ التعمُّق في أقوال القديس إسحق السُّريانيّ يوقظ فينا الإلهام والتهيُّؤ للصلاة، ويُجدِّد فينا اشتياقنا إلى الله، ويليِّن القلب الذي، متى تطهَّر من الأهواء، يصير «مسكنًا للثالوث».
https://www.johnsanidopoulos.com/2014/01/saint-isaac-syrian-as-model-for-our.html
آخر المواضيع
القديس إسحق السُّريانيّ كنموذج لحياتنا
الفئة : قصص روحية
عظة في تذكار قطع رأس السابق المجيد يوحنا المعمدان
الفئة : قصص روحية
العظة الأولى عن الأب البار بيمن راعي النفوس
الفئة : قصص روحية
النشرات الإخبارية
اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

