المجمع المسكونيّ الرابع: الدفاع عن كمال اللاهوت والناسوت في المسيح

الفئة:دفاعيّات

المجمع المسكونيّ الرابع: الدفاع عن كمال اللاهوت والناسوت في المسيح

الشماس مكسيموس سلّوم

موجودة في نشرة رعيّتي، الأحد ١٩ تموز ٢٠٢٦ العدد ٢٩، آباء المجمع المسكونيّ الرابع، مطرانية جبيل والبترون وما يليهما للروم الأرثوذكس.

 

يُعدُّ المجمع المسكونيّ الرابع، المعروف بمجمع خلقيدونيا، أحد أهم المجامع في تاريخ الكنيسة. انعقد سنة 451 في مدينة خلقيدونيا بالقرب من القسطنطينيَّة بدعوة من الملكَين مرقيانوس وبولخاريا.

انعقد هذا المجمع لمواجهة تعاليم إفتيشيوس أو أوطيخا، وكان رئيس دير في القسطنطينيَّة، القائلة بأنَّ للمسيح طبيعة واحدة هي الطبيعة الإلهيَّة. اعتبر إفتيشيوس أنَّه بعد التجسُّد، ذابت الطبيعة البشريَّة في المسيح ولم يتبقَّى سوى الطبيعة الإلهيَّة. وكان يستند بكلامه على مقولة للقديس كيرللس بطريرك الإسكندريَّة: "طبيعة واحدة متجسِّدة لله الكلمة". وقد دعمه بهذا الفكر ديوسقوروس بطريرك الإسكندريَّة. لذلك أطلقت الكنيسة عليهم لقب "المونوفيزيين" أي أصحاب الطبيعة الواحدة.

أعلن المجمع أنَّ ربَّنا يسوع المسيح هو إله حق وإنسان حق، كامل في لاهوته وكامل في ناسوته، معروف في طبيعتين من دون اختلاط أو امتزاج أو انقسام أو انفصال، وأنَّ اتِّحاد اللاهوت والناسوت تمَّ في أقنوم الكلمة المتجسِّد. وبذلك حفظ المجمع حقيقة التجسُّد الإلهيّ من جهة وكمال الناسوت الذي اتَّخذه المسيح من جهة أخرى. يسوع المسيح هو إله كامل وإنسان كامل ولكن لم يصبح شخصين بل شخص واحد تتواجد فيه الطبيعتين. فهو عند قبر لعازر بكى وأظهر طبيعته البشريَّة ثمَّ أقام لعازر وأظهر طبيعته الإلهيَّة.

تشدِّد الكنيسة على الطبيعتين في المسيح. لا يمكن الكلام عن أنَّ المسيح إنسان من دون أن يمتلك الطبيعة الإنسانيَّة وكأنَّنا نتكلَّم عن أمر مجرَّد. فالمسيح أخذ كامل الطبيعة البشريَّة الساقطة ما عدا الخطيئة لكي يخلِّصنا من الخطيئة، على نحوِ ما يقول القديس غريغوريوس اللاهوتيّ بطريرك القسطنطينيَّة "ما لا يؤخذ لا يُشفى". إذا أخذنا على سبيل المثال النار والحديد، إذا جمعناهما يصبح لدينا حديد محمَّى. النار تنفذ في كلِّ الحديد. ولكنَّ الحديد يبقى حديد والنار تبقى النار أي أنَّ الحديد يبقى محافظ على طبيعته ولا يتغيَّر. هكذا طبيعتا المسيح حافظتا كل منهما على خواصهما ولم تذوب الواحدة بالأخرى. فالمسيح كان يتعب ويجوع ويعطش وهذه خصائص الطبيعة البشريَّة، وبالوقت ذاته كان يقيم الأموات ويكشف أفكار الناس ويغفر الخطايا وهذه خصائص الطبيعة الإلهيَّة. الطبيعتان لم تصبحا طبيعة واحدة مجهولة بل متَّحدتان بشخص واحد هو يسوع المسيح. هذا ما يُعرف في لاهوتنا الأرثوذكسيّ بالاتِّحاد الأقنوميّ أي اتِّحاد الطبيعتان الإلهيَّة والبشريَّة في يسوع المسيح عند الحبل به.

والنتيجة لرفضهما لهذا التعليم الأرثوذكسيّ حُرم كلٍّ من أوطيخا وديوسقوروس.

في زمننا هذا، وبالرغم من أنَّ الجماعات اللاخلقيدونيَّة تدين في مكان معيَّن مونوفيزيَّة إفتيشيوس المتطرِّفة إلاَّ أنَّها تتبنى مونوفيزيَّة سفيروس المعتدلة. اعتبر سفيروس بطريرك أنطاكيا أنَّ للمسيح طبيعة واحدة بعد التجسُّد مركَّبة من طبيعتين إلهيَّة وبشريَّة، منتقصًا من ألوهيَّة المسيح الكاملة وبشريَّة المسيح الكاملة. هذا التعليم المضلّ قد أدانه المجمع المسكونيّ السادس والآباء القديسون وفي مقدِّمتهم مكسيموس المعترف ويوحنا الدمشقيّ رافضين أي انتقاص في طبيعتَيْ المسيح الكاملتَين. وبدلاً من الكلام عن طبيعة واحدة مركَّبة، أي طبيعة هجينة غير معروف ما هي خصائصها، استعمل الآباء صيغة أقنوم واحد مركَّب من طبيعتين وفي طبيعتين إلهيَّة كاملة وبشريَّة كاملة. فالكنيسة الأرثوذكسيَّة تشدِّد على الاتِّحاد الأقنومي وتعليم الطبيعتين الإلهيَّة والبشريَّة في المسيح. فعقيدة تألُّه الإنسان، والتي هي هدف الحياة الروحيَّة، ترتكز على تعليم الطبيعتين في المسيح لأنَّ الأقنوم الثاني في الثالوث قد ألَّه الطبيعة البشريَّة بتجسُّده.

في عصرنا الحاليّ، حصل العديد من الحوارات واللقاءات بين الخلقيدونيين واللاخلقيدونيين. وقد عبَّر فيها المشتركون أكثر من مرَّة أنَّ الإيمان مشترك ولكن مُعبَّر عنه بتعابير لاهوتيَّة متنوِّعة. ولكن الكنيسة المقدَّسة وآبائها كانوا قد أدانوا سابقًا تعليم سفيروس الذي هو تعليم اللاخلقيدونيين الحاليّ. إذًا الإيمان ليس مشتركًا والتعابير اللاهوتيَّة تعبِّر عن هذا الإيمان. لقد رأى آباء الكنيسة المستنيرون عبر قرون عدَّة اختلاف في العقائد وليس مجرَّد سوء فهم تاريخيّ أو لفظي. التعليم السفيروسيّ مُدان بالجوهر وليس بالألفاظ. ومن هذا المنطلق أي الاعتراف فعلاً باختلافات عقائديَّة تفصلنا عن بعضنا ممكن أن يكون الحوار مثمرًا.



آخر المواضيع

المجمع المسكونيّ الرابع: الدفاع عن كمال اللاهوت والناسوت في المسيح
الفئة : دفاعيّات

الشماس مكسيموس سلّوم 2026-07-18

التَّقليدُ الرَّسُوليُّ والتَّسَلسُلُ الرَّسُوليُّ بحسبِ الأبِ جورج فلورُفسكي
الفئة : دفاعيّات

الـميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس 2026-01-11

سلامٌ ووحدة من دون عقيدة
الفئة : دفاعيّات

الأب نقولا سجيع الشامي 2025-12-05

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا