الصيد العجيب
الصيد العجيب
عظة للأرشمندريت غريغوريوس اسطفان
رئيس دير رقاد والدة الإله بكفتين
27 أيلول 2026
باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
يحدّثنا النص الإنجيلي اليوم عن الواقعة التي تُسمّيها الكنيسة "الصيد العجيب". وسُمّيت كذلك لأن الرسل سهروا الليل بطوله محاولين الصيد، فلم يظفروا بشيء. غير أن المسيح قال لسمعان: «تَقَدَّمْ إِلَى الْعُمْقِ وَأَلْقِ الشّبكة».
وعملَ بُطرس هكذا، على الرغم من إخفاقهم طوال الليل أن يصطادوا شيئاً، إلا أنّ بطرس أبدى طاعةً لكلمة الرب، قائلاً: «عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ».
كان باستطاعة بطرس أن يُحللّ الموضوع من خلال منطقه البشري، فيتساءل: كيف يطلب منا المسيح أن نصطاد الآن ونحن لم نُصب شيئاً طوال الليل؟ أفيقول لنا الآن أن نعود ونرمي الشّبكة؟غير أن المميز والمهم بتصرّف بطرس، أنه صدّق كلمة المسيح وقال له: "على كلمتك أُلقي الشّبكة". وحين ألقى الشّبكة، امتلأت السفينتان حتى كادتا تغرقان. انظروا هذا الصّيد العجيب، حيث أنهم كانوا يسعون طول اللّيل، ولكن بلحظة، استطاعوا أن يصطادوا صيداً وفيراً.
ويعلمنا الآباء القديسون أن هذا الصيد الوفير إنما هو ثمرة طاعة بطرس وإيمانه بالمسيح؛ إذ صدَّق قول المسيح ولم يعتمد على منطقه العقليّ.
وهذا هو صراعنا المستمر، فنحن نقرأ كلمات الإنجيل، أي كلمات المسيح الموجّهة إلى كل واحد منا، ولكننا كثيراً ما نُحلّلها وفق منطقنا البشري، نحن نعيش بمنطق ساقط، بإيمان ضعيف وإرادة ضعيفة. ولذلك يظل الإنسان في صراع داخلي دائم بينه وبين نفسه، وبينه وبين كلمة الله. ومتى وصل الإنسان إلى الطاعة الكاملة، فإنه يتحرر من كل صراع داخلي ، ويغدو إنساناً حراً بحق.
إن المطلوب من الإنسان الذي يريد أن يبلغ إلى الكمال هو أن يعيش هذه الطاعة المطلقة؛ فعندما يتخلى المرء عن منطقه البشريّ وعن حكمنا وتمييزنا البشريّ، نصل إلى التمييز الإلهي والكمال، نصل إلى ألّا يُخطئ الإنسان. فالإنسان المطيع لا يُخطئ ولا ينحرف؛ وحيث توجد الطاعة، تغيب الخطيئة وتضمحل الهرطقة. هذه هي ميزة الطّاعة، أن نصدّق المسيح ونؤمن بكل كلمة يقولها، ونسلّم ذواتنا له ولكلمته بالكليّة.
نبلغ من خلال هذه الطاعة إلى التواضع الكافي، لكنها أيضاً تحتاج إلى التخلي عن المشيئة، وللتخلّي عن مشيئته الشّخصية، يحتاج الإنسان إلى التواضع. فعندما يتواضع الإنسان، يستنير ذهنه ، ويمنحه الله نعمة معرفة الحق وإدراكه. وهذه هي ميزة كنيستنا الأرثوذكسية التي نفتخر بها؛ لأنها الكنيسة الحقيقية الوحيدة التي أطاعت كلمة الله وكلّ ماتسلّمته من الرب والرسل القديسين منذ ألفي عام، طاعةً مُطلقة، دون أن تغيّر حرفاً واحداً من هذا التعليم.
والكنيسة لا تزال تجاهد وتتصارع مع روح هذا العالم، ومع المتكبرين في الكنيسة ذاتها وفي العالم الذين يحاولون دائماً تغيير هذا التعليم، لكنها، بفضل نعمة الرب، تظل ثابتة إلى اليوم الأخير مع كل الذين يطيعون. فالإنسان الذي يطيع هو الذي يستطيع أن يبقى أرثوذكسياً حقيقياً، والإنسان مهما كان مركزه عظيماً في الكنيسة، برفضه أن يُطيع الإيمان، فيغدو خارج الكنيسة، حتى ولو كان شكليّاً داخلها، مهما كان مركزه أو موقعه فيها.
إن طاعتنا تبدأ بالطاعة للإيمان وللكنيسة أولّاً، ومنها نصل إلى الطاعة الشخصيّة، طاعة وصيّة الله. كلّ ذلك يصبّ في هذه الطاعة، كلّ ما نعمله، من طاعة الإيمان والكنيسة وطاعتنا لوصايا الرّب، كلّها وصايا إنجيليّة. وعبر هذه الطاعة ننال الشفاء الكلي؛ فنحن نعلم أنه منذ سقوط الإنسان الأول ، مرضت إرادته وأصبحت ضعيفة، لا تستطيع أن تعمل الخير أو تميل إلى الصلاح. فنرى أنّ المسيح ، بتجسّده، أظهر طاعة مطلقة، ومن خلال اتحادنا بجسد المسيح، تشفى إرادتنا، هذه الإرادة التي حين عصت، مرضت وضعفت وأصبحت تميل إلى الفساد والأنانية. ولكن عبر الطاعة فقط، تُشفى إرادتنا ويُشفى الإنسان بكليّته.
هكذا في مسيرتنا، نحن نُطيع، وبالطاعة نحافظ على هدفنا الأسمى الذي خُلقنا من أجله، الذي يُحيد عنه الإنسان بمجرد أن يُدخل فكره الشّخصيّ، هدفنا الذي هو الاتحاد بإلهنا يسوع المسيح والشركة الكاملة معه. فقط من خلال الطاعة نستطيع أن نحافظ على هذا الهدف، إذا تعلمنا كيف نطيع، نسلك نحو هذا الهدف بثبات، وبمجرد ما ينحرف قليلاً عن الطاعة، يكون قد انحرف عن هذا الهدف. لذا يجدر بنا أن نُسلّم ذواتنا بالإيمان، تسليماً كاملاً للربّ. وبكل ما يطلبه منا الربّ، حتى ولو كان خارج المنطق البشريّ، نقول له في كل حين: "يا ربّ، على كلمتك أعمل، بما أوصيتنا به خلال إنجيلك".
إن حياتنا المسيحية، وفي الكنيسة هي حياة قائمة على الطاعة المُطلقة، لذلك نحفظ الإيمان، فبمجرد ما أن أخرج عن طاعة هذا الإيمان، أكون قد خرجت عن الكنيسة. بمجرد ما أن أرفض تطبيق وصيّة واحدة، أكون أُشكّك بكلام المسيح، وأكون قد خرجت عن طاعته وطاعة وصيته.
الإنسان الذي يُطيع قادر أن يحقق كل شيء في هذا العالم، كلّ ما يحتاجه من أجل خلاصه، يُعطيه إياّه الرّب من خلال الطاعة. فيقول المسيح: «ما ليسَ مستطاعاً عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ». أي ما لا نستطيع نحن كبشر أن نحققه، بالطاعة يعطيه لنا الربّ، كل ما نحتاجه في مسيرتنا، يعطى لنا من خلالنا نحن.
فلننتبه إذاً، أن نتخلى عن فكرنا ومشيئتنا، ولا نُحلّل أي من تعاليم الكنيسة بفكرنا الخاصّ، وإلّا لا يخرج الإنسان عن طاعة المسيح فقط، بل يخرج من الكنيسة ذاتها.
إنّ كل الهرطقات والجماعات التي هي خارج الكنيسة الحقيقيّة، حدثت بسبب عدم الطاعة والكبرياء، ثمر الكبرياء هو عدم الطاعة، وثمر عدم الطاعة أن ينمو الإنسان بالأنانيّة وبالكبرياء. لذلك الإنسان الذي يُطيع يستنير من الداخل، فيكشف له الربّ هذا الإيمان الذي يعجز عقلنا عن استعابه.
انظروا كيف يحارب الشيطان الناس بالإلحاد، لأن الإنسان يتكلّ على منطقه البشريّ. حين يسلّم الإنسان تسليماً كاملاً، بالتواضع والصلاة وبالإيمان يستنير من الداخل، وينال يقيناً حيّاً بحضور الله في هذا العالم ويكتشفه ويعيشه بداخله. لكن على الإنسان أن يتنكّرّ لمشيئته وفكره ومنطقه البشريّ، ويُطيع إيمان الكنيسة والوصيّة، فيبلغ إلى مسيرة ثابتة مع الربّ، ويصل إلى هدفه النهائي، وإلا، فنكون نعيش بضلال ونصل إلى اكتشاف أن الطريق الذي كنا نسلك فيه، إنما هو طريق منحرف ومسدود، لم نيلغ من خلاله هدفنا الأساسيّ، الذي خُلقنا من أجله.
فلنستغل حياتنا الأرضية في مجاهدة الإنسان القديم وإرادتنا الضعيفة وميلها الضعيف، لنصحح كل شيء، وتكون حياتنا كلها قائمة على طاعة ربنا يسوع المسيح. آمين.
آخر المواضيع
الصيد العجيب
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان
عقيدة عيد رقاد والدة الإله
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان
عظةٌ في عيد الرّسولين بطرس وبولس
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان
النشرات الإخبارية
اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

