الفرحُ الحقيقيُّ أنْ تُكتبَ أسماؤنا في ملكوتِ السماوات


الفرحُ الحقيقيُّ أنْ تُكتبَ أسماؤنا في ملكوتِ السماوات
عظةٌ للأرشمندريت غريغوريوس إسطفان
رئيس دير رقاد والدة الإله - بكفتين
18 تشرين الأول 2026

 

بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ القُدُسِ، الإِلَهِ الوَاحِدِ، آمِين.

نحتفلُ اليومَ، في هذا الأحدِ المباركِ، بعيدِ القديسِ لوقا الإنجيلي. القديسُ لوقا هو الذي دوَّنَ الإنجيلَ الذي يحملُ اسمَه، وقد تضمَّنَ إنجيلُهُ أمورًا جليلةً كثيرةً لم تُذكَرْ في بقيَّةِ الأناجيل، وله أهميةٌ استثنائيةٌ، لا سيَّما في الأحداثِ التي رواها عن مريمَ والدةِ الإله.

لم يكنْ لوقا من جُملةِ التلاميذِ الاثني عشر، بل كانَ من التلاميذِ السبعين. نحنُ نعلمُ أنَّ المسيحَ كانَ يرافقهُ اثنا عشرَ تلميذًا باستمرار، لكنَّه أرسلَ أيضًا سبعينَ تلميذًا آخرين، واختارَهم اثنينِ اثنينِ ليُمَهِّدوا طريقَ البشارةِ أمامَه ويكرزوا باسمِهِ، وكانَ القديسُ لوقا من هؤلاءِ السبعين. ومن هنا يأتي ذِكرُ السبعينَ في المقطعِ الإنجيليِّ اليوم: «فَرَجَعَ السَّبْعُونَ بِفَرَحٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِكَ!» (لو 10: 17).

كما رافقَ القديسُ لوقا بولسَ الرسولَ في غالبيةِ أسفارِهِ ورحلاتِهِ التبشيرية. ولم يكتفِ بتدوينِ الإنجيلِ فحسب، بل كتبَ أيضًا سِفرَ "أعمالِ الرُّسل". ومن يقرأْ سِفرَ الأعمالِ يلاحظْ كيفَ يصفُ لوقا الأحداثَ بصيغةِ الجمعِ محتسبًا نفسَه مع بولسَ الرسول، فيقول: "ذهبنا، وأتينا، وركبنا السفينة"؛ أي إنَّه كانَ يروي ما عاينَه وشاهدَه بنفسِه خلالَ مرافقتِه لهم. فكلُّ ما ذُكِرَ في سِفرِ أعمالِ الرُّسلِ عن تأسيسِ الكنيسةِ، ونشرِ البشارةِ، والصِّعابِ التي واجهتْها الكنيسةُ في نشأتِها الأولى، كُتِبَ بقلمِ لوقا الإنجيليِّ الذي كانَ شاهدًا ومشاركًا في كلِّ عملٍ كنسيٍّ ورسوليٍّ. لهذا السببِ، يحتلُّ إنجيلُه وسِفرُ الأعمالِ مكانةً عظيمةً جدًّا، وتُقيمُ الكنيسةُ قراءةَ هذا النصِّ الإنجيليِّ والرسالةِ المخصَّصةِ له في يومِ عيدِه.

وثمَّةَ أمرٌ جوهريٌّ يُبرزُه الإنجيليُّ لوقا يتعلَّقُ بعملِ المسيحِ الخلاصيّ؛ إذ ينفردُ بذِكرِ بشارةِ الملائكةِ للرُّعاةِ عندَ ميلادِ المسيحِ قائلين: «هَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ» (لو 2: 10). يذكرُ هذا "الفرحَ العظيمَ" بميلادِ المخلِّص؛ إذ لا يوجدُ فرحٌ للبشريةِ أعظمُ من ولادةِ الفادي. ويُركِّزُ لوقا على لقبِ "المخلِّص" ليُوضِّحَ أنَّ المسيحَ جاءَ ليُخلِّصَ الخليقةَ والعالمَ بأسرِه.

وفي ختامِ إنجيلِه (في الإصحاحِ الأخير)، يذكرُ القديسُ لوقا أنَّه عندما صعدَ المسيحُ إلى السماءِ، «رَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ» (لو 24: 52). يُكرِّرُ الفكرةَ ذاتَها: فكرةَ "الفرحِ العظيم". وبينَ هذينِ الفرحينِ العظيمينِ — فرحِ ميلادِ المخلِّصِ وفرحِ صعودِه إلى السماواتِ — يعرضُ لوقا مسيرةَ خلاصِ الإنسانِ، وهي مسيرةُ فرحٍ يتذوَّقُها مَن يَعي كيفَ يعيشُ مراحلَ هذا الخلاص.

إنَّ التركيزَ كلَّه ينصبُّ على خلاصِ الإنسان؛ فعندما قالَ التلاميذُ: "إنَّ الشياطينَ تخضعُ لنا باسمِك" أجابَهم الربُّ: «هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ، وَلَا يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ. وَلكِن لَا تَفْرَحُوا بِهذَا: أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ» (لو 10: 19-20).

هذا هو الفرحُ الحقيقيُّ والعظيمُ في مسيرةِ الخلاص؛ أنْ يُدركَ الإنسانُ أنَّ المواهبَ التي منحَها الربُّ للرُّسلِ هي لِيَخدِموا بها، وليستْ مِلكًا خاصًّا لهم يتفاخرونَ به. فالرُّسلُ وخلفاؤُهم من الأساقفةِ والكهنةِ لا يفرحونَ بإنجازاتِهم الذاتيةِ، إذ ليسَ لدينا شيءٌ من ذواتِنا نفتخرُ به. كلُّ معمَّدٍ باسمِ الثالوثِ وممسوحٍ بالميرونِ المقدَّسِ ينالُ موهبةً من الربِّ، لكنَّ هذه الموهبةَ قد تُصبحُ فخًّا إذا قادتِ الإنسانَ إلى الافتخارِ بنفسِه؛ لذا حذَّرَهم الربُّ قائلًا: "لا تفرحوا بهذا، بلِ افرحوا بأنَّ أسماءَكم قد كُتِبَتْ في ملكوتِ السماوات".

إنَّ كلَّ مؤمنٍ قد نالَ موهبةً رسوليةً ليشهدَ لملكوتِ الله. فنحنُ في كلِّ أعمالِنا لا نفرحُ بالعملِ في ذاتِه، بل بخلاصِنا، وبكيفيةِ استثمارِ هذه الموهبةِ والعملِ لكي تُكتَبَ أسماؤُنا في السماوات.

هذه هي مسيرتُنا في هذا العالم؛ فقد وضعَ الربُّ تراتبيةً كنسيةً تبدأُ بالرُّسلِ وتستمرُّ عبرَ الأساقفةِ والكهنةِ، غيرَ أنَّ الكنيسةَ بأسرِها — بجميعِ مؤمنيها ومواهبِهم — تعملُ في خدمةٍ رسوليةٍ واحدةٍ للشهادةِ لملكوتِ الله.

والواجبُ علينا أن نستثمرَ كلَّ ما وُهِبَ لنا لخدمةِ المسيح. فعندما يبدأُ الإنسانُ بالافتخارِ بذاتِه، يتحوَّلُ مسارُه من السيرِ نحوَ المسيحِ إلى السيرِ نحوَ تحقيقِ ذاتِه وأناهُ الخاصَّة. بينما المطلوبُ منَّا هو أن نُنكِرَ ذواتَنا وحياتَنا الأرضيةَ لنقتنيَ حياةَ المسيحِ وروحَه في داخلِنا.

يقولُ الربُّ: «أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ، رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ» (لو 10: 21). والأطفالُ هنا هم أولئكَ الذينَ استطاعوا أنْ يتجاوزوا كلَّ أنانيةٍ في ذواتِهم ويتَّجهوا بكُلِّيَّتِهم نحوَ المسيح. لقد كشفَ اللهُ أسرارَه ونِعَمَه للبسطاءِ الذينَ صاروا كالأطفالِ بالروح. أمَّا الحكيمُ في عينِ نفسِه والمُعتدُّ بعقلِه، فلن تُكشَفَ له أسرارُ النعمةِ الإلهية.

لهذا قالَ المسيحُ أيضًا: «إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ» (متى 18: 3). بدونِ هذه الروحِ الطفوليةِ البسيطةِ، لن تتفعَّلَ فينا مواهبُ الربِّ ورسوليَّتُنا. كثيرونَ منَّا يبنونَ لأنفسِهم مكانةً ومركزًا وهميًّا ويعيشونَ داخلَ هذا الانغلاقِ، فيتعاملونَ مع الآخرينَ من خلالِ الكبرياءِ والأهواء. لكنْ حينَ يصلُ الإنسانُ إلى البساطةِ الطفوليةِ بالروحِ، يُعلِنُ اللهُ له أسرارَه ويَهَبُه الملكوتَ الموعود.

الطفوليةُ الروحيةُ تعني العودةَ إلى بساطةِ الحياةِ بالروحِ، وأنْ نتغلَّبَ على كلِّ ما يربطُنا بأهواءِ هذا العالمِ، ونسعى لنحيا ببراءةِ الأطفالِ التي كشفَها لنا الربُّ في الإنجيل. لقد اختارَ الربُّ صيَّادي الأسماكِ والضعفاءَ في هذا العالمِ ليُخزيَ الحكماءَ في أعيُنِ أنفسِهم، حتى لا يفتخرَ بشرٌ أمامَه، وليُدرِكَ الإنسانُ أنَّ كلَّ حكمةٍ وموهبةٍ هي عطيةٌ مجانيةٌ من الآب. ومتى وصلْنا إلى هذا التسليمِ المطلقِ والإيمانِ الكاملِ، *نَصيرُ* كالأطفالِ، ويجعلُنا الربُّ أهلًا ليُعطيَنا نِعَمَه وملكوتَه.

إنَّ كلَّ ما يُلهينا عن ملكوتِ السماواتِ في هذه الحياةِ الأرضيةِ — من غرقٍ في الأهواءِ والتعلُّقاتِ الماديةِ — يحرِمُنا من الفرحِ الحقيقيِّ. الفرحُ العظيمُ الذي جاءَ الربُّ ليُعطيَنا إيَّاه، وكشفَه لوقا الإنجيليُّ بميلادِ المخلِّصِ وصعودِه، هو مسيرةُ كلِّ واحدٍ منَّا: أنْ نُولَدَ بالمسيحِ وننموَ فيه لنصعدَ معَه إلى ملكوتِه.

لذلكَ يوصينا الربُّ: «افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ»، هذا هو الفرحُ الحقيقيُّ الذي ينبغي أنْ نسعى إليه، وألَّا نتعلَّقَ بأيِّ فرحٍ أرضيٍّ زائلٍ، لِتُكتَبَ أسماؤُنا في السماوات.

آمين.



آخر المواضيع

الفرحُ الحقيقيُّ أنْ تُكتبَ أسماؤنا في ملكوتِ السماوات
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2026-10-18

الرحمة الإلهية وسرّ العودة الى الوحدة الأولى
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2026-10-06

الصيد العجيب
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 2026-09-30

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

للإتصال بنا